كيف نومي على الفراش ولما * تشمل الشام غارة شعواء
أي لا نوم لي . ومعنى الآية : لا يهدي الله قوما إلى الحق كفروا بعد إيمانهم ، وبعد ما شهدوا أن الرسول حق ، وبعد
ما جاءتهم البينات من كتاب الله سبحانه ومعجزات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقوله ( والله لا يهدي
القوم الظالمين ) جملة حالية : أي كيف يهدي المرتدين ، والحال أنه لا يهدي من حصل منهم مجرد الظلم لأنفسهم ،
ومنهم الباقون على الكفر ، ولا ريب أن ذنب المرتد أشد من ذنب من هو باق على الكفر ، لأن المرتد قد عرف
الحق ثم أعرض عنادا وتمردا . قوله ( أولئك ) إشارة إلى القوم المتصفين بتلك الصفات السابقة ، وهو مبتدأ خبره
الجملة التي بعده . وقد تقدم تفسير اللعن . وقوله ( ولا هم ينظرون ) معناه : يؤخرون ويمهلون . ثم استثنى
التائبين : فقال ( إلا الذين تابوا من بعد ذلك ) : أي من بعد الارتداد ( وأصلحوا ) بالإسلام ما كان قد أفسدوه
من دينهم بالردة . وفيه دليل على قبول توبة المرتد إذا رجع إلى الإسلام مخلصا ، ولا خلاف في ذلك فيما أحفظ .
قوله ( ثم ازدادوا كفرا ) . قال قتادة وعطاء الخراساني والحسن : نزلت في اليهود والنصارى كفروا بمحمد صلى
الله عليه وآله وسلم بعد إيمانهم بنعته وصفته ( ثم ازدادوا كفرا ) بإقامتهم على كفرهم ، وقيل ازدادوا كفرا بالذنوب
التي اكتسبوها ، ورجحه ابن جرير الطبري وجعلها في اليهود خاصة . وقد استشكل جماعة من المفسرين قوله تعالى
( فلن تقبل توبتهم ) مع كون التوبة مقبولة كما في الآية الأولى ، وكما في قوله تعالى - وهو الذي يقبل التوبة عن
عباده - وغير ذلك ، فقيل المعنى لن تقبل توبتهم عند الموت . قال النحاس : وهذا قول حسن كما قال تعالى
- وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن - وبه قال الحسن وقتادة
وعطاء ومنه الحديث " إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر " ، وقيل : المعنى لمن تقبل توبتهم التي كانوا عليها قبل
أن يكفروا ، لأن الكفر أحبط ، وقيل لمن تقبل توبتهم إذا تابوا من كفرهم إلى كفر آخر ، والأولى أن يحمل عدم
قبولهم التوبة في هذه الآية على من مات كافرا غير تائب فكأنه عبر عن الموت على الكفر بعدم قبول التوبة ، وتكون
الآية المذكورة بعد هذه الآية ، وهي قوله ( إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار ) في حكم البيان لها . قوله ( ملء
الأرض ذهبا ) الملء بالكسر مقدارا ما يملأ الشئ ، والملء بالفتح مصدر ملأت الشئ ، وذهبا تمييز ، قاله الفراء
وغيره . وقال الكسائي نصب على إضمار من ذهب . كقوله - أو عدل ذلك صياما - أي من صيام . وقرأ الأعمش
" ذهب " بالرفع على أنه بدل من ملء ، والواو في قوله ( ولو افتدى به ) قيل هي مقحمة زائدة ، والمعنى لو افتدى
به ، وقيل فيه حمل على الغنى كأنه قيل فلن يقبل من أحدهم فدية ولو افتدى بملء الأرض ذهبا ، وقيل هو عطف
على مقدر : أي لن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا لو تصدق به في الدنيا ولو افتدى به من العذاب :
أي بمثله .
وقد أخرج النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس
قال : كان رجل من الأنصار أسلم ثم ارتد ولحق بالمشركين ، ثم ندم فأرسل إلى قومه : أرسلوا إلى رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم هل لي من توبة ؟ فنزلت ( كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم ) إلى قوله ( غفور رحيم )
فأرسل إليه قومه فأسلم . وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد نحوه ، وقال : هو الحارث بن
سويد . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن السدي نحوه . وأخرج ابن إسحاق وابن المنذر عن ابن عباس نحوه
أيضا . وقد روى عن جماعة نحوه أيضا . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في
قوله ( كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم ) . قال : هم أهل الكتاب من اليهود عرفوا محمدا ثم كفروا به ،
فتح القدير — صفحة 359
مساهمون: الشوكاني
ص٣٥٩