الفاتحة أن يوقف عليها ثم يبدأ بما بعدها كما فعله الحسن ومن معه في قراءتهم المحكية سابقا . وأما فتح الميم على القراءة
المشهورة فوجهه ما روى عن سيبويه أن الميم فتحت لالتقاء الساكنين . وقال الكسائي : حروف التهجي إذا لقيتها
ألف وصل ، فحذف الألف وحركت الميم بحركة الألف ، وكذا قال الفراء . وهذه الفواتح إن جعلت مسرودة
على نمط التعديد ، فلا محل لها من الإعراب ، وإن جعلت أسماء للسورة فمحلها إما الرفع على أنها أخبار لمبتدآت
مقدرة قبلها ، أو النصب على تقدير أفعال يقتضيها المقام كاذكر أو اقرأ أو نحوهما ، وقد تقدم في أوائل سورة
البقرة ما يغني عن الإعادة . وقوله ( الله لا إله إلا هو ) مبتدأ وخبر ، والجملة مستأنفة : أي هو المستحق للعبودية .
والحي القيوم : خبران آخران للاسم الشريف أو خبران لمبتدأ محذوف : أي هو الحي القيوم ، وقيل إنهما صفتان
للمبتدأ الأول أو بدلان منه أو من الخبر ، وقد تقدم تفسير الحي والقيوم . وقرأ جماعة من الصحابة القيام عمر وأبي
ابن كعب وابن مسعود . قوله ( نزل عليك الكتاب ) أي القرآن وقدم الظرف على المفعول به للاعتناء بالمنزل عليه
صلى الله عليه وآله وسلم ، وهي إما جملة مستأنفة أو خبر آخر للمبتدأ الأول . قوله ( بالحق ) أي بالصدق - وقيل
بالحجة الغالبة وهو في محل نصب على الحال . وقوله ( مصدقا ) حال آخر من الكتاب مؤكدة ، لأنه لا يكون إلا
مصدقا ، فلا تكون الحال منتقلة أصلا ، وبهذا قال الجمهور ، وجوز بعضهم الانتقال على معنى أنه مصدق لنفسه
ولغيره . وقوله ( لما بين يديه ) أي من الكتب المنزلة ، وهو متعلق بقوله : مصدقا ، واللام للتقوية . قوله ( وأنزل
التوراة والإنجيل ) هذه الجملة في حكم البيان لقوله : لما بين يديه . وإنما قال هنا أنزل وفيما تقدم نزل : لأن
القرآن نزل منجما ، والكتابان نزلا دفعة واحدة ، ولم يذكر في الكتابين من أنزلا عليه ، وذكر فيما تقدم أن
الكتاب نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأن القصد هنا ليس إلا إلى ذكر الكتابين لا ذكر من نزلا
عليه ، وقوله ( من قبل ) أي أنزل التوراة والإنجيل من قبل تنزيل الكتاب . وقوله ( هدى للناس ) إما حال من
الكتابين أو علة للإنزال . والمراد بالناس أهل الكتابين ، أو ما هو أعم ، لأن هذه الأمة متعبدة بما لم ينسخ من
الشرائع . قال ابن فورك : هدى للناس المتقين ، كما قال في البقرة هدى للمتقين ، قوله ( وأنزل الفرقان ) أي
الفارق بين الحق والباطل ، وهو القرآن ، وكرر ذكره تشريفا له مع ما يشتمل عليه هذا الذكر الآخر من الوصف له
بأنه يفرق بين الحق والباطل ، وذكر التنزيل أولا والإنزال ثانيا لكونه جامعا بين الوصفين ، فإنه أنزل إلى سماء
الدنيا جملة ثم نزل منها إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم مفرقا منجما على حسب الحوادث كما سبق . وقيل أراد
بالفرقان جميع الكتب المنزلة من الله تعالى على رسله ، وقيل أراد الزبور لاشتماله على المواعظ الحسنة ، وقوله ( إن
الذين كفروا بآيات الله ) أي بما يصدق عليه أنه آية من الكتب المنزلة وغيرها ، أو بما في الكتب المنزلة المذكورة
على وضع آيات الله موضع الضمير العائد إليها ، وفيه بيان الأمر الذي استحقوا به الكفر ( لهم ) بسبب هذا الكفر ،
( عذاب شديد ) أي عظيم ( والله عزيز ) لا يغالبه مغالب ( ذو انتقام ) عظيم ، والنقمة السطوة ، يقال انتقم منه :
إذا عاقبه بسبب ذنب قد تقدم منه . قوله ( إن الله لا يخفى عليه شئ في الأرض ولا في السماء ) هذه الجملة استئنافية
لبيان سعة علمه وإحاطته بالمعلومات وعبر عن معلوماته بما في الأرض والسماء مع كونها أوسع من ذلك ، لقصور
عباده عن العلم بما سواهما من أمكنة مخلوقاته وسائر معلوماته ، ومن جملة ما لا يخفى عليه إيمان من آمن من خلقه
وكفر من كفر . قوله ( هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء ) أصل اشتقاق الصورة من صاره إلى كذا
أي أماله إليه ، فالصورة مائلة إلى شبه وهيئة ، وأصل الرحم من الرحمة لأنه مما يتراحم به ، وهذه الجملة مستأنفة
مشتملة على بيان إحاطة علمه ، وأن من جملة معلوماته ما لا يدخل تحت الوجود ، وهو تصوير عباده في أرحام
فتح القدير — صفحة 312
مساهمون: الشوكاني
ص٣١٢