قتادة في قوله ( فاستبقوا الخيرات ) يقول : لا تغلبن على قبلتكم . وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله ( فاستبقوا
الخيرات ) قال : الأعمال الصالحة . وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله ( فاستبقوا الخيرات ) يقول
فسارعوا في الخيرات ( أينما تكونوا يأت بكم الله جميعا ) قال : يوم القيامة . وأخرج ابن جرير من طريق السدي
عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة قال : لما صرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم نحو الكعبة بعد
صلاته إلى بيت المقدس قال المشركون من أهل مكة : تحير على محمد دينه ، فتوجه بقبلته إليكم وعلم أنكم أهدى
منه سبيلا ويوشك أن يدخل في دينكم ، فأنزل الله ( لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا
تخشوهم واخشوني ) وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله ( لئلا يكون للناس عليكم حجة ) قال :
يعني بذلك أهل الكتاب حين صرف نبي الله إلى الكعبة قالوا : اشتاق الرجل إلى بيت أبيه ودين قومه . وأخرج
عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال : حجتهم قولهم قد أحب قبلتنا وأخرج أبو داود في ناسخه وابن جرير وابن
المنذر عن قتادة ومجاهد في قوله ( إلا الذين ظلموا منهم ) قال : الذين ظلموا منهم مشركو قريش أنهم سيحتجون
بذلك عليكم ، واحتجوا على نبي الله بانصرافه إلى البيت الحرام وقالوا : سيرجع إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا ،
فأنزل الله في ذلك كله ( يا أيها الذي آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين ) . وأخرج ابن أبي حاتم
عن أبي العالية في قوله ( كما أرسلنا فيكم رسولا منكم ) يعني محمدا صلى الله عليه وآله وسلم . وأخرج عبد بن حميد
وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله ( كما أرسلنا فيكم رسولا منكم ) يقول : كما فعلت فاذكروني . وأخرج
أبو الشيخ والديلمي من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
( فاذكروني أذكركم ) يقول : اذكروني يا معشر العباد بطاعتي أذكركم بمغفرتي . وأخرج الديلمي وابن عساكر
مثله مرفوعا من حديث أبي هند الداري وزاد : فمن ذكرني وهو مطيع فحق علي أن أذكره بمغفرتي ، ومن
ذكرني وهو لي عاص فحق علي أن أذكره بمقت . وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس : يقول الله : ذكري لكم
خير من ذكركم لي . وقد ورد في فضل ذكر الله على الإطلاق وفضل الشكر أحاديث كثيرة .
لما فرغ سبحانه من إرشاد عباده إلى ذكره وشكره ، عقب ذلك بإرشادهم إلى الاستعانة بالصبر والصلاة ،
فإن من جمع بين ذكر الله وشكره ، واستعان بالصبر والصلاة على تأدية ما أمر الله به ، ودفع ما يرد عليه من المحن
فقد هدى إلى الصواب ووفق إلى الخير ، وإن هذه المعية التي أوضحها الله بقوله ( إن الله مع الصابرين ) فيها أعظم
ترغيب لعباده سبحانه إلى لزوم الصبر على ما ينوب من الخطوب ، فمن كان الله معه لم يخش من الأهوال وإن كانت
فتح القدير — صفحة 158
مساهمون: الشوكاني
ص١٥٨