أي سكوت مع إصغاء لهما لقوله تعالى : ( وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا )
ذكر في التفسير أنها نزلت في الخطبة وسميت قرآنا لاشتمالها عليه ووجب رد السلام ،
وسن تشميت العاطس ورفع الصوت بالصلاة على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) عند قراءة الخطيب : إن الله
وملائكته يصلون على النبي ، وإن اقتضى كلام الروضة إباحة الرفع وصرح
القاضي أبو الطيب بكراهته ، وعلى من سن الانصات فيهما عدم حرمة الكلام فيهما كما صرح
به الأصل لما روى البيهقي بإسناد صحيح عن أنس أن رجلا دخل والنبي ( صلى الله عليه وسلم ) يخطب يوم
الجمعة فقال : متى الساعة ؟ ، فأومأ الناس إليه بالسكوت فلم يقبل وأعاد الكلام ، فقال له النبي ( صلى الله عليه وسلم ) :
في الثالثة ما أعددت لها ؟ فقال : حب الله ورسوله ، قال : إنك مع من أحببت ، فلم ينكر عليه
الكلام ولم يبين له وجوب السكوت . والامر في الآية للندب جمعا بين الدليلين ، أما من لم
يسمعها فيسكت أو يشتغل بالذكر أو القراءة . ( و ) سن ( كونهما على منبر ) للاتباع رواه
الشيخان . ( ف ) إن لم يكن منبر فعلى ( مرتفع ) لقيامه مقام المنبر في بلوغ صوت الخطيب
الناس وسن كون ذلك على يمين المحراب ، وتعبيري بالفاء أولى من تعبيره بأو
( وأن يسلم على من عنده ) إذا انتهى إليه للاتباع رواه البيهقي . ولمفارقته لهم ( و ) أن ( يقبل
عليهم إذا صعد ) المنبر أو نحوه وانتهى إلى الدرجة التي يجلس عليها المسماة بالمستراح ،
( و ) أن ( يسلم ) عليهم ( ثم يجلس فيؤذن واحد ) للاتباع في الجميع ، رواه في الأخير البخاري
وفي البقية البيهقي وغيره . وذكر الترتيب بين السلام والجلوس مع قولي واحد من زيادتي
( و ) أن ( تكون ) الخطبة ( بليغة ) أي فصيحة جزلة لا مبتذلة ركيكة ، فإنها لا تؤثر في القلوب
( مفهومة ) أي قريبة للفهم لا غريبة وحشية إذ لا ينتفع بها أكثر الناس ( متوسطة ) لان الطويلة
تمل . وفي خبر مسلم عن جابر بن سمرة قال : كانت صلاة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قصدا وخطبته
قصدا أي متوسطة . والمراد أن تكون الخطبة قصيرة بالنسبة للصلاة لخبر مسلم : أطيلوا
الصلاة واقصروا الخطبة بضم الصاد . وتعبيري بمتوسطة أولى من تعبيره بقصيرة ، فإنه الموافق
للروضة كأصلها والمحرر ، ( و ) أن ( لا يلتفت ) في شئ منها بل يستمر مقبلا عليهم إلى فراغها
ويسن لهم أن يقبلوا عليه مستمعين له ، ( و ) أن ( يشغل يسراه بنحو سيف ) للاتباع رواه أبو داود .
والحكمة في ذلك الإشارة إلى أن هذا الدين قام بالسلاح ( ويمناه بحرف المنبر ) لاتباع السلف
والخلف وهذا مع قولي يسراه من زيادتي ، فإن لم يجد شيئا من ذلك جعل اليمنى على اليسرى
أو أرسلهما والغرض أن يخشع ولا يعبث بهما
( و ) أن ( يكون جلوسه بينهما ) أي بين الخطبتين ( قدر سورة الاخلاص ) تقريبا لذلك
فتح الوهاب — صفحة 135
مساهمون: زكريا بن محمد بن أحمد الأنصاري
ص١٣٥