Skip to main content

فتح الباري — Page 203

Contributors:

P.203
هذا خطاب منه للعرب بنحو ما كانت تفعل لأنهم كانوا يرفعون للوفاء راية بيضاء وللغدر راية سوداء ليلوموا الغادر ويذموه فاقتضى الحديث وقوع مثل ذلك للغادر ليشتهر بصفته في القيامة فيذمه أهل الموقف وأما الوفاء فلم يرد فيه شئ ولا يبعد أن يقع كذلك وقد ثبت لواء الحمد لنبينا صلى الله عليه وسلم وقد تقدم تفسير الغدر قريبا والكلام على اللواء وما الفرق بينه وبين الراية في باب مفرد في كتاب الجهاد وفي الحديث غلظ تحريم الغدر لا سيما من صاحب الولاية العامة لان غدره يتعدى ضرره إلى خلق كثير ولأنه غير مضطر إلى الغدر لقدرته على الوفاء وقال عياض المشهور أن هذا الحديث ورد في ذم الامام إذا غدر في عهوده لرعيته أو لمقاتلته أو للإمامة التي تقلدها والتزم القيام بها فمتى خان فيها أو ترك الرفق فقد غدر بعهده وقيل المراد نهي الرعية عن الغدر بالامام فلا يخرج عليه ولا يتعرض لمعصيته لما يترتب على ذلك من الفتنة قال والصحيح الأول قلت ولا أدري ما المانع من حمل الخبر على أعم من ذلك وسيأتي مزيد بيان لذلك في كتاب الفتن حيث أورده المصنف فيه أتم مما هنا وان الذي فهمه ابن عمر راوي الحديث هو هذا والله أعلم وفيه أن الناس يدعون يوم القيامة بآبائهم لقوله فيه هذه غدرة فلان بن فلان وهي رواية ابن عمر الآتية في الفتن قال ابن دقيق العيد وان ثبت أنهم يدعون بأمهاتهم فقد يخص هذا من العموم وتمسك به قوم في ترك الجهاد مع ولاة الجور الذين يغدرون كما حكاه الباجي رابعها حديث ابن عباس لا هجرة بعد الفتح ساقه بتمامه وقد تقدم شرحه في أواخر الجهاد وباقيه في الحج وفي تعلقه بالترجمة غموض قال ابن بطال وجهه ان محارم الله عهوده إلى عباده فمن انتهك منها شيا كان غادرا وكان النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة أمن الناس ثم أخبر ان القتال بمكة حرام فأشار إلى أنهم آمنون من أن يغدر بهم أحد فيما حصل لهم من الأمان وقال ابن المنير وجهه ان النص على أن مكة اختصت بالحرمة الا في الساعة المستثناة لا يختص بالمؤمن البر فيها إذ كل بقعة كذلك فدل على أنها اختصت بما هو أعم من ذلك وقال الكرماني يمكن أن يؤخذ من قوله وإذا استنفرتم فانفروا إذ معناه لا تغدروا بالأئمة ولا تخالفوهم لان ايجاب الوفاء بالخروج مستلزم لتحريم الغدر أو أشار إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يغدر باستحلال القتال بمكة بل كان بإحلال الله له ساعة ولولا ذلك لما جاز له ( قلت ) ويحتمل أن يكون أشار بذلك إلى ما وقع من سبب الفتح الذي ذكر في الحديث وهو غدر قريش بخزاعة حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم لما تحاربوا مع بني بكر حلفاء قريش فأمدت قريش بني بكر وأعانوهم على خزاعة وبيتوهم فقتلوا منهم جماعة وفي ذلك يقول شاعرهم يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم ان قريشا أخلفوك الموعدا * ونقضوا ميثاقك المؤكدا وسيأتي شرح ذلك في المغازي مفصلا فكان عاقبة نقض قريش العهد بما فعلوه أن غزاهم المسلمون حتى فتحوا مكة واضطروا إلى طلب الأمان وصاروا بعد العز والقوة في غاية الوهن إلى أن دخلوا في الاسلام وأكثرهم لذلك كاره ولعله أشار بقوله في الترجمة بالبر إلى المسلمين وبالفاجر إلى خزاعة لان أكثرهم إذ ذاك لم يكن أسلم بعد والله أعلم * ( خاتمة ) * اشتملت أحاديث فرض الخمس والجزية والموادعة وهي في التحقيق بقايا الجهاد وانما أفردها زيادة في الايضاح كما أفردت العمرة وجزاء الصيد من كتاب الحج من الأحاديث المرفوعة على مائة وستة عشر حديثا