تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح الباري — صفحة 121

مساهمون:

ص١٢١
الجمع من تخصيص بعض العمومات وتقييد بعض المطلقات فالحديث وإن كان دالا على تعذيب كل ميت بكل بكاء لكن دلت أدلة أخرى على تخصيص ذلك ببعض البكاء كما سيأتي توجيهه وتقييد ذلك بمن كانت تلك سنته أو أهمل النهي عن ذلك فالمعنى على هذا أن الذي يعذب ببعض بكاء أهله من كان راضيا بذلك بأن تكون تلك طريقته الخ ولذلك قال المصنف فإذا لم يكن من سنته أي كمن كان لا شعور عنده بأنهم يفعلون شيئا من ذلك أو أدى ما عليه بان نهاهم فهذا لا مؤاخذة عليه بفعل غيره ومن ثم قال ابن المبارك إذا كان ينهاهم في حياته ففعلوا شيئا من ذلك بعد وفاته لم يكن عليه شئ ( قوله فهو كما قالت عائشة ) أي كما استدلت عائشة بقوله تعالى ولا تزروا زرة وزر أخرى أي ولا تحمل حاملة ذنبا ذنب أخرى عنها وهذا حمل منه لانكار عائشة على أنها أنكرت عموم التعذيب لكل ميت بكى عليه وأما قوله وهو كقوله وأن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شئ فوقع في رواية أبي ذر وحده وأن تدع مثقلة ذنوبا إلى حملها وليست ذنوبا في التلاوة وإنما هو في تفسير مجاهد فنقله المصنف عنه وموقع التشبيه في قوله أن الجملة الأولى دلت على أن النفس المذنبة لا يؤاخذ غيرها بذنبها فكذلك الثانية دلت على أن النفس المذنبة لا يحمل عنها غيرها شيئا من ذنوبها ولو طلبت ذلك ودعت إليه ومحل ذلك كله إنما هو في حق من لم يكن له في شئ من ذلك تسبب وإلا فهو يشاركه كما في قوله تعالى وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وقوله صلى الله عليه وسلم فإن توليت فإنما عليك إثم الأريسيين ( قوله وما يرخص من البكاء في غير نوح ) هذا معطوف على أول الترجمة وكأنه أشار بذلك إلى حديث عامر بن سعد عن أبي مسعود الأنصاري وقرظه بن كعب قالا رخص لنا في البكاء عند المصيبة في غير نوح أخرجه ابن أبي شيبة والطبراني وصححه الحاكم لكن ليس إسناده على شرط البخاري فاكتفى بالإشارة إليه واستغنى عنه بأحاديث الباب الدالة على مقتضاه ( قوله وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تقتل نفسا ظلما الحديث ) هو طرف من حديث لابن مسعود وصله المصنف في الديات وغيرها ووجه الاستدلال به أن القاتل المذكور يشارك من صنع صنيعه لكونه فتح له الباب ونهج له الطريق فكذلك من كانت طريقته النوح على الميت يكون قد نهج لأهله تلك الطريقة فيؤاخذ على فعله الأول وحاصل ما بحثه المصنف في هذه الترجمة أن الشخص لا يعذب بفعل غيره الا إذا كان له فيه تسبب فمن أثبت تعذيب شخص بفعل غيره فمراده هذا ومن نفاه فمراده ما إذا لم يكن له فيه تسبب أصلا والله أعلم وقد اعترض بعضهم على استدلال البخاري بهذا الحديث لأن ظاهره أن الوزر يختص بالبادئ دون من أتى بعده فعلى هذا يختص التعذيب بأول من سن النوح على الموتى والجواب أنه ليس في الحديث ما ينفى الإثم عن غير البادئ فيستدل على ذلك بدليل آخر وإنما أراد المصنف بهذا الحديث الرد على من يقول أن الإنسان لا يعذب الا بذنب باشره بقوله أو فعله فأراد أن يبين أنه قد يعذب بفعل غيره إذا كان له فيه تسبب وقد اختلف العلماء في مسألة تعذيب الميت بالبكاء عليه فمنهم من حمله على ظاهره وهو بين من قصة عمر مع صهيب كما سيأتي في ثالث أحاديث هذا الباب ويحتمل أن يكون عمر كان يرى أن المؤاخذة تقع على الميت إذا كان قادرا على النهي ولم يقع منه فلذلك بادر إلى نهي صهيب وكذلك نهى حفصة كما رواه مسلم من طريق نافع عن ابن عمر عنه وممن أخذ بظاهره أيضا عبد الله بن عمر فروى عبد الرزاق من طريقه أنه شهد جنازة رافع