ليتني كنت تمنيت المغفرة بدلا من تمنى الثلج فلعلي كنت أجاب . فلما دخل
المبيت حلفت عليه أن يشرب وما زلت أداريه حتى شرب منه بقليل سويق
بقية ليلته * حدثني عبد الله بن محمد بن الحسين بن الحفا العبقسي . قال : حدثني أبي
، قال : كان مجاورني فتى من أولاد الكتاب ورث عن أبيه مالا جليلا
أتلفه في القيان ، وأكله إسرافا وبدارا حتى لم يبق منه شئ فاحتاج إلى بعض
داره فلم يبق منها إلا بيت يأويه فحدثني بعض من كان يعاشره قال : صرت
إليه يوما بعد انقطاعي عنه بنحو سنة لأعرف خبره فدخلت عليه فوجدته
نائما في ذلك البيت في يوم بارد على حصير خلق ، وقد توطأ وطأ كأنه حشو
فراش ، وقد تغطا بقطن كأنه حشو لحاف ، فهو بين ذلك القطن كأنه السفرجل .
فقلت ويحك : بلغت إلى هذا الحال ؟ قال هو الحد ما ترى . قلت فهل لك
حاجة ؟ قال أو تقضيها . فظننته يطلب منى شيئا لنفقة فقلت : أي والله . قال
اشتهى أن تحملني إلى بيت فلانة المغنية حتى أراها . يعنى المغنية التي يعشقها
وأتلف ماله بسببها . قال وبكى فرققت له ومضيت إلى منزلي فجئته من ثيابي
بما لبسه وأدخلته الحمام وحملته إلى بيتي ، فأطعمته وبخرته وأخذت بيده
وقصدنا دار المغنية فلما رأتنا لم تشك في أن حاله صلحت وأنه قد جاءها
بدراهم فبشت به وسألته عن خبره ؟ فصدقها عن حاله حتى انتهى إلى ذكر
الثياب وأنها لي . فقالت له في الحال : قم فقال : لم ؟ قالت لئلا تجئ ستي فتراك
وليس معك شئ فتحرد على فأخرج إلى برا حتى أصعد فأكلمك من فوق .
فخرج وجعل ينظر أن تخاطبه من روزنة في الدار إلى الشارع وهو جالس
فقلبت عليه مرقة سكباج فصيرته آية ونكالا وضحكت فبكى وقال : يا أبا
فلان : بلغ أمري إلى هاهنا ، أشهد الله وأشهدك أنى تائب عنها ، فأخذت
أتعظ به وقلت : أي شئ تنفعك التوبة الآن ورددته إلى بيته ونزعت ثيابي
عنه وتركته بين القطن كما كان أولا ، وحملت ثيابي وغسلتها وأيست منه فما
عرفت له خبرا نحو ثلاث سنين ، فأنا ذات يوم في باب الطاق فإذا بغلام
يطرق لرجل راكب فرفعت رأسي فإذا به على برذون فاره ، بمركب خفيف
مليح ، وثياب حسنة وكان قديما في أيام يساره يركب من الدواب والمراكب
الفرج بعد الشدة — صفحة 216
مساهمون: القاضي التنوخي
ص٢١٦