فقال : قد صح عند العلماء « 1 » باللّه ان اللّه جل ثناؤه لا ينظر الى شىء على الكشف فيقوم له ، أما ترى الجبل كيف دكّ و قطع حين تجلى له الجبار و كيف خرّ موسى صعقا . و أما نظره إلى اوليائه فمن وراء حجاب ، ثم يفترقون فى نظره اليهم .
فمنهم من ينظر اليه و يذكره و يكرمه بالمواهب و لا يعلم الا انه فى حملةالعلم ، عارف بالنعمة التى احدثها اللّه عنده . و الوقوف مع النعمة و الفايدة و مقامه حجاب عن اللّه خفى .
و اما الاقوياء من العارفين ( 58 و ) اذا اقبل [ اللّه ] « 2 » عليهم و نظر اليهم علموا و انقطعوا عن موجود الفايدة و التنعم فاقتطعهم التعظيم بما جنوا فأدركهم الوجد . و ربما أذن لهم فى هذه الاوقات فنشطوا عند حقائق القرب فرجعوا بالعجائب و الفهم الثابت و العلم الخالص .
و أما الاقوياء فى الدين و المعرفة الذين قربوا من اللّه عزوجل فصار الفهم منه غذاءهم و مجالسته و محادثته انيسهم فالباب بينهم و بينه مفتوح ؛ لاينقطع عنهم فوائده فى كل طرفة :
فمن ذى يدهشون و من ذى يتحيرون و من ذى يطربون .
قلت : صف لى اول مقام اهل القرب .
قال : الوجد ! قلت : صف لى علامة الواجدين فى القرب فى ابتداء « 3 » امورهم .
[ قال ] « 4 » : جمع الهمّ بشدة المراقبة و هدوّ الجوارح بالسكون و الاقبال على اللّه مع قلة التقلب بخطرات المشاهدة و قلة الحركات بطوالع ذوق المطالعة و الهرب الى العزلة و الانفراد و الوحدة لما يعدوهم من غداء الملاطفة و السكون اليه بعد الاضطراب و كثرة الوسائل فى طلب المنافسة و الانبساط اليه و الاستيناس بقوله حين وضع عنهم الإصر و ثقل الاحمال ( 58 ظ ) فعاملوه و عاملهم بالمسامحة . فهذا مقام ناعم من مقامات القرب .
قلت : صف لى مقاما فى القرب احسن من هذا .
قال : الدهشة من طوارق الهيبة و البهتة من دوام الاجلال و الحنين الخالص و الارتياح من صفاء الاتصال و أكل الطعام الكثير بلاشهوة من شدة الولهان و الحكمة البالغة .
و اكثر الاقوياء من العارفين هم عند حقائق القرب يصيحون و يدهشون لمايتوحشون
هامش
( 1 ) العلما
( 2 ) فى الحاشية
( 3 ) ابتدا
( 4 ) فى الحاشية