فالفرض أن التشريعات الفوقانيّة تعكس عن جهات واقعيّة كلّية معقولة ، والقضيّة والمعنى الحقيقي الكلّي لا تبدّل فيها ; نعم في كيفيّة تنزّله قد يتصادم
مع كلّي آخر إلاّ أن هذا التصادم ليس بدائم ، بل ظرفي .
أيضاً هناك منشأ آخر للتبدّل والتغيّر وهو ليس في الواقع بمنشأ حقيقي وهو كيفيّة إحراز التقنين ، سواء التقنين الوضعي أو التقنين السماوي الإلهي ; فمثلاً في الدستور الفرنسي القضاة يختلفون في فهم مادّة من موادّ الدستور أو الحقوقيّون الفرنسيّون يختلفون في فهم تلك المادّة ; فهذا نوع من الاختلاف في التشريع
إلاّ أنّه إختلاف في الفهم والإحراز وليس هو إختلاف في نفس مادّة التشريع . فهذا الاختلاف لا يتناول الكلّيات الفوقانيّة حيث إن الكلّيات الفوقانيّة يعترض الثبات ، وكلّما كان بمعنى الكلّي وكان ذو كلّية وثبت أكثر ، فوضوحه وبداهته أكثر والخفاء يقلُّ ويندر ، وكلّما تنزل يبدو الخفاء ويزداد الغموض . ولذا ترى أن المبادئ في أيّ دستور من الدساتير الوضعيّة تكون واضحة لا خفاء فيها والموادّ الأوّليّة - وهي الأمّ - لا خفاء فيها أيضاً ، بعد ذلك إذا تتنزّل تلك الموادّ إلى البرلمان ومنه إلى مجلس الوزراء ، فهذه تحصل فيها إختلاف أكثر فأكثر ،
لأنّها تتداخل الجزئيّات بعضها مع بعض ، فيكون عنصر الغموض أكثر فأكثر .
وقد يعبّر عن هذا أن النفس حيث إنها مجرّدة أو كلّية ، فيكون إدراك النفس
للكلّي أو المجرّد أسرع من إدراكها للجزئيّات ; حيث إنّها متعلّقة بالمادّة فيكون أبعد عن سنخ النفس وهذا المنشأ الثالث لا يختلف عن المناشئ السابقة من زاوية المورد ; حيث إن منشأ الاختلاف ، الإحراز غالباً في موارد الجزئيّات لا الكليّات فمثلاً ترى الإنسان لا يختلف في المعاني مع فرد آخر من بني نوعه في الكليّات العقليّة كحسن الفضائل وقبح الرذائل ، بخلاف ما إذا تنزّلت المعاني إلى جزئيّات ،
اُصول استنباط العقائد في نظريّة الاعتبار ، محاضرات المحقّق الفقيه آية الله الشيخ محمّد السند — صفحة 140
مساهمون: السيد محمد حسن الرضوي
ص١٤٠