ثم إنّه ربّما لم يتوصّل العقل البشري إلى إثبات مطلب من المطالب الإعتقاديّة في قرن من القرون ، ثمّ في زمان لاحق يثبت ذلك أحد الأعلام بالبرهان العقلي ، فيتوحش من ذكر البرهان من لا خبرة له بدعوى أنّه كيف لم يقم البرهان في تلك القرون التي سبقت وبعد ذلك يتوصّل إليه ؟
ولكن بعد التأمّل يتّضح أنّه لا وجه للإستيحاش ; وذلك لأنّ العقل يتنبّه بتوسّط سلسلة قافلة التكامل البشري إلى دليل برهاني على أمر من المعارف ، لم يكن روّاد المعقول تمكّنوا من إقامة ذلك الدليل والمهمّ النظر إلى صحّة المقدّمات التي يستدلّ بها ، أمّا صرف أنّ القدماء لم يستطيعوا إقامة البرهان فهو أشبه بالمزاح .
وأمّا تعريف العقل العملي ، فقد قيل إنّه القوّة المدركة للقضايا التي ينبغي أن يقع العمل عليها تمييزاً له عن العقل النظري .
هل العقل العملي يغاير النظري أو يتحد معه ؟
قال جماعة من الفلاسفة المتكلّمين بأنّ العقل العملي هو عين النظري إلاّ أنّ هذه القوّة الواحدة بلحاظ المدرك تنشعب إلى النظري والعملي وإلاّ ليس شأن العقل إلاّ الإدراك .
وذهب جماعة أخرى إلى أنّ العقل العملي يمتاز عن النظري بأنّ العملي قوّة أخرى غير قوّة العقل النظري ، وهي قوّة باعثة عمّالة ، لا أنّه فقط قوّة مدركة .
والصحيح هو القول الثاني وعليه الفارابي وأفلاطون وسقراط . بل ابن سينا في بعض كلماته وإن كان في بعض عبائره في الإشارات يذهب إلى الأوّل .
والدليل على تغاير العقل النظري مع العقل العملي وجهان :
الأوّل : لا ريب في أنّ من كمالات الإنسان سيطرة عقله على القوى المادون ،
اُصول استنباط العقائد في نظريّة الاعتبار ، محاضرات المحقّق الفقيه آية الله الشيخ محمّد السند — صفحة 12
مساهمون: السيد محمد حسن الرضوي
ص١٢