والغضب ، فربّما تمادى القوم في غيّهم وضلالهم وحسبوا أنّهم لم يقترفوا إلاّ ذنباً
خفيفاً أو مخالفة صغيرة ولم يعلموا أنّهم حتى ولو رجعوا إلى الطريق المهيع ، واتّبعوا
جادة التوحيد ربّما بقيت رواسب الشرك في أغوار أذهانهم ، فلأجل إيقافهم على
فظاعة العمل ، قام في مجال الإصلاح مثل المدير الذي يواجه الفساد فجأة في مديريته
ولا يعلم من أين تسرب إليها .
فأوّل ما يبادر إليه هو مواجهة القائم مقامه الذي خلفه في مكانه ، وأدلى إليه مفاتيح
الأُمور ، فإذا ثبتت براءته ونزاهته وأنّه قام بوظيفته خير قيام حسب تشخيصه ومدى
طاقته ، تركه حتى يقف على جذور الأمر والأسباب الواقعية التي أدت إلى الفساد
والانهيار .
وهكذا قام الكليم بمعالجة القضية ، وعالج الواقعة المدهشة التي لو بقيت على حالها ،
لانتهت إلى تسرب الشرك إلى عامة بني إسرائيل وذهب جهده طوال السنين سدى ، فأوّل رد
فعل أبداه ، أنّه واجه أخاه القائم مقامه في غيبته ، بالشدة والعنف حتى يقف الباقون
على خطورة الموقف ، فأخذ بلحيته ورأسه مهيمناً عليه متسائلاً بأنّه لماذا تسرب الشرك
إلى قومه مع كونه فيهم ؟ ! ولمّا تبيّنت براءته وأنّه أدّى وظيفته كما يحكيه عنه
سبحانه بقوله : ( إنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا
تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) اندفع
إليه بعطف وحنان ودعا له فقال : ( رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأخِي وَأدْخِلْنَا فِي
رَحْمَتِكَ وَأنْتَ أرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) ( 1 ) . إنّ طلب المغفرة لنفسه وأخيه لا
يدل على صدور أي خلاف منهما ، فإنّ الأنبياء والأولياء لاستشعارهم بخطورة الموقف
وعظمة المسؤولية ، ما زالوا يطلبون غفران الله ورحمته لعلو درجاتهم كما هو واضح لمن
تتبع أحوالهم ، وسيوافيك بيانه عند البحث عن عصمة النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله
وسلم ) .
هامش
1 . الأعراف : 151 .