فالمسلمون الذين صحبوه كانت لهم مصالحهم التجارية ومنافعهم الشخصية
وضعفهم النفسي ، وقد كانت انتصارات جنگيز تؤمن لهم المصالح والمنافع فلم
يبالوا بغيرها ، وحتى لو بالوا أو بالى بعضهم فقد كانوا في نفوسهم أضعف من أن
يتصدوا لشئ ، وكانوا في واقعهم من أن يبالي بهم جنگيز .
أما هولاكو الذي لا يقل أصالة في الشر عن جده جنگيز فقد كان له كابح
يلوي عنانه ويروض جماحه ويثني من انطلاقه ، هذا الكابح الذي لم يكن مثله
لجنگيز .
هذا الكابح تمثل في شخص الرجل المخلص القوي النفس الماضي العزيمة
الذي إذا قال عنا السامع لقوله ، ولو كان هذا السامع هولاكو الجبار العاتي . . .
ما كان أبلغ كلمة محمد مدرسي التي افتتحنا بها هذا الفصل وهي : " فضلا
عن مقام الطوسي العلمي استطاع بتأثيره على مزاج هولاكو أن يستحوذ تدريجيا
على عقله وأن يروض شارب الدماء فيوجهه إلى إصلاح الأمور الاجتماعية
والثقافية والفنية " .
كان فضل نصير الدين الطوسي على العالم الإسلامي باضطراره لمصاحبة
هولاكو - كان فضله أن لم يكن مصير : قزوين وهمذان والدينور وكرمنشاه
وحلوان وأسدآباد والبصرة وتستر وكل مدن خوزستان ، ثم بغداد ( 1 ) وبعد ذلك ديار
هامش
( 1 ) يقول في ( الحوادث الجامعة ) ص 333 ، وفي جامع التواريخ ج 2 ، ق 1 ، ص
2595 ومؤلفاهما معاصران مشاهدان أن هولاكو أمر بإصلاح ما خرب من المدينة
( بغداد ) وترميم وإعادة أعمال أهلها إلى ما كانت عليه سابقا .
وهكذا نرى أن الطوسي حمل هولاكو على إعادة ما خرب أو احترق من المدينة على
نفقة الدولة .
وصاحب كتاب ( مراصت الاطلاع ) الذي كتب كتابه بعد فتح بغداد يتحدث عن محلات
بغداد ومواقعها بما يدل على واقع الحال يومذاك :
فهو يقول عن سوق الثلاثاء أنه ( سوق بغداد من أعمر أسواقها وهو سوق البزازين ) .
وعن محلة المأمونية أنها : " محلة كبيرة طويلة عريضة ببغداد بين نهر المعلى وباب
الأزج ) . وعن باب الأزج أنها ( محلة كبيرة ذات أسواق كثيرة ومحال في شرق بغداد ) .
وعن قراح ابن زرين ( وأهل بغداد يسمون البستان قراحا . وفي بغداد عدة محال تسمى
بقراح مضاف إل رجل يعرف باسمه ) . ثم يقول عن قراح ابن رزين أنه ( أقرب المحال
في وسط البلد ) . وذكر أن محلة المقتدية في الجانب الشرقي وأن محلة المختارة ( بين
باب البرز وقراح القاضي ومحلة المقتدية ) وعن قراح ظفر أنه ( ظاهر محلة الظفرية ) .
وعن محلة قراح القاضي : ( إذا خرجت من قراح رزين على يمينك درب واسع فيه
درب قراح القاضي على يسارك ثم يمتد إلى قراح أبي الشحم ، وفيه دروب عن يمينك
وشمالك ) . وعن محلة القبيات أنها ( محلة ببغداد وراء قراح أبي الشحم ) . وقد وردت
محلة البصلته تحت اسم البصلة وورد عنها أنها ( محلة في طرف بغداد في الجانب
الشرقي متصلة باب كلواذى ) . وعن قطيعة العجم أنها ( بالجانب الشرقي في أسفل
البلد بين باب الحلة وباب الأزج : محلة عظيمة كبيرة فيها أسواق كأنها مدينة برأسها ) .
وعن الظفرية أنه ( محلة ببغداد متصلة بالحريم الظاهري باقية إلى الآن وبها سوق )
وعن نهر المعلى أنه محلة وأنه ( من عقد الجديد إلى عقدي المصطنع في الشارع
الأعظم من الريحانيين وباب النوبي إلى باب جامع القصر إلى العقدين وفيه السوق
والدكاكين ) . وعن الجعفرية أنها ( محلة كبيرة مشهورة في الجانب الشرقي من بغداد ) .
وعن القرية بالتصغير أنها ( محلتان ببغداد إحداهما في حريم دار الخلافة وهي كبيرة
فيها محال وسوق والأخرى بالجانب الغربي ) وعن الحلبة أنها ( محلة كبيرة ببغداد قرب
باب الأزج ) . وقد ورد صاحب المراصد هذه المحلات دون أن يشير إلى خرابها .
يضاف إلى ذلك أنه أورد عددا من الدور المهمة في بغداد . ( ص 40 - 59 ) . يضاف
إلى ذلك أن كتاب ( الحوادث الجامعة ) - وهو معاصر - يؤكد وجود دار الخلافة ودار
الدويدار الكبيرة وجامع الخليفة وقد أحرق وأعيد إصلاحه ، والمدرسة النظامية وسوقها
والمدرسة المستنصرية والمدرسة التتشية الأصحاب ومدارس وربط أخرى
( ص 330 - 426 ) .