عن النظر والفكر ليست خالية من الشكوك والشبهة والخطأ والزلل » ( 1 ) . الثاني : لو غضضنا النظر عن الإشكال الأوّل . فإنّه غاية ما يُقال في تلك المناهج أنّها تدرك العالم وخالقه عن طريق المفاهيم التي يحصل عليها ، والكمال الذي يصل إليه العالم بها هو « انتعاش النفس بصورة الوجود على نظامه بكماله وتمامه وصيرورة الإنسان عالماً عقليّاً مضاهياً للعالم العيني » ( 2 ) . وأمّا العارف فلا علاقة له بالفهم والعقل وإدراك المفاهيم والصور ، بل غايته التي يسعى للوصول إليها هو مشاهدة جمال الحقّ وشهود حقائق هذا العالم على ما هي عليه ، وليس الكمال الذي يبتغيه هو تحصيل صورة هذه الأشياء . ومن الواضح أنّ الفرق كبير جدّاً بين من يعرف النار من خلال المفهوم والصورة الذهنيّة ، وبين من يعرفها من خلال الإحساس بحرارتها والاحتراق بها . والأوّل حال الحكيم المشائي ، والثاني حال العارف المكاشف . يقول الطباطبائي قدّس سرّه : « إنّ العارف هو الذي يمكنه الانقطاع قلباً عن هذه النشأة مع تمام الإيقان باللازم من المعارف الإلهيّة ، والتخلّص إلى الحقّ سبحانه ، وهذا هو الذي يمكنه شهود ما وراء هذه النشأة المادّية والإشراف على الأنوار الإلهيّة كالأنبياء عليهم السلام » ( 3 ) .
العرفان الشيعي رؤى في مرتكزاته النظريّة ومسالكه العمليّة من أبحاث السيّد كمال الحيدري — صفحة 21
مساهمون: الشيخ خليل رزق
ص٢١
هامش
( 1 ) جامع الأسرار ، مصدر سابق : ص 492 .
( 2 ) الشيرازي ، صدر الدِّين ، الحكمة المتعالية في الأسفار الأربعة ، بيروت ، دار إحياء التراث العربي ، الطبعة الرابعة ، 1990 م : ج 1 ، ص 20 .
( 3 ) الطباطبائي ، محمّد حسين ، رسائل سبعة ، رسالة الولاية . قم ، بنياد علمي وفكري أستاذ علاّمة طباطبائي ، 1983 م : ص 17 .