نقيّاً ، ودام في السرّ مع الله تعالى مناجاته ، وحقّ في كلّ لحظة إليه رجوعه ، وصار محدّثاً من قبل الحقّ سبحانه بتعريف أسراره فيما يجريه من تصاريف أقداره ، ويسمّى عند ذلك عارفاً ، وتسمّى حالته معرفة » ( 1 ) . وفي هذا الصدد أيضاً يقول الهجويري ( المتوفّى سنة 465 ه - ) وهو من معاصري القشيري والمصنّفين الأوائل : « لم يفرّق علماء الأصول بين العلم والمعرفة ، وقالوا إنّ كلاهما سواء ، غير أنّهم قالوا : يجوز أن يقال للحقّ تعالى عالماً ، ولا يجوز أن يقال عارفاً ؛ لعدم التوافق . أمّا مشايخ هذه الطريقة ، فهم يسمّون العلم المقرون بالمعاملة والحال - وهو العلم الذي يعبّر عن أحوالهم - بالمعرفة ، ويسمّون العالم به عارفاً ، ويسمّون العلم المجرّد من المعنى والخالي من المعاملة علماً ، ويسمّون العالم به عالماً ; فمن يكن عالماً بمعنى الشيء وحقيقته يسمّونه عارفاً ، ولذلك فإنّ هذه الطائفة حين يريدون الاستخفاف بأقرانهم يسّمونهم علماء ، وهذا يبدو للعوام منكراً ، وليس مرادهم ذمّهم بحصول العلم ، بل مرادهم ذمّهم بترك المعاملة ; لأنّ العالم قائم بنفسه ، والعارف قائم بربّه » ( 2 ) .
العرفان الشيعي رؤى في مرتكزاته النظريّة ومسالكه العمليّة من أبحاث السيّد كمال الحيدري — صفحة 199
مساهمون: الشيخ خليل رزق
ص١٩٩
هامش
( 1 ) القشيري ، أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن ، الرسالة القشيريّة ، شرح شيخ الإسلام زكريا الأنصاري ، دار أسامة ، بيروت ، 1987 م : ص 241 - 242 .
( 2 ) الهجويري ، علي بن عثمان ، كشف المحجوب ، دراسة وتعليق د . إسعاد عبد الهادي قنديل ، دار النهضة العربيّة ، بيروت ، 1980 م : ج 1 ، ص 626 .