بجميع طرق العقول من البرهان والجدل والوعظ كلّ البيان ، وقطعوا في شرحها كلّ طريق ممكن . ومن هنا يعلم أنّ لها مرتبة فوق مرتبة البيان اللفظي ، لو نزلت إلى مرتبة البيان دفعتها العقول العادية ، إمّا لكونها خلاف الضرورة عند العرف والناس ، أو لكونها منافية للبيان الذي بيّنت لهم به وقبلته عقولهم . وبهذا يظهر أنّ نحو إدراك هذه المعارف بحقائقها غير نحو إدراك العقول » ( 1 ) . وهو الإدراك الفكري القائم على الاستدلال العقلي . ويعود السبب في ذلك إلى أنّ الدائرة التي يقول فيها العقل والاستدلال العقلاني كلمته ، تختلف عن تلك التي يقول فيها العرفان والمكاشفة مقولته ، فليس أحدهما في عرض الآخر حتّى يقع التنافي والتضادّ بينهما ، وإنّما يأتي دور المكاشفة حيث ينتهي دور العقل . يقول الغزالي : « لا يجوز في طور الولاية ما يقضي العقل باستحالته ، نعم يجوز في طور الولاية ما يقصر العقل عنه ، بمعنى أنّه لا يدرك بمجرّد العقل ، ومن لم يفرّق بين ما يحيله العقل وبين ما لا يناله ، فهو أخسّ من أن يخاطب ، فليترك وجهله » ( 2 ) . وقال أيضاً : « ثمّ إنّ بعض أسرار الدِّين وأطوار الشرع المبين بلغ إلى حدّ ما هو خارج عن طور العقل الفكري ، وإنّما يعرف بطور
العرفان الشيعي رؤى في مرتكزاته النظريّة ومسالكه العمليّة من أبحاث السيّد كمال الحيدري — صفحة 164
مساهمون: الشيخ خليل رزق
ص١٦٤
هامش
( 1 ) رسالة الولاية ، مصدر سابق : ص 8 .
( 2 ) نقلاً عن الرسائل ، صدر الدِّين محمّد الشيرازي ، مكتبة المصطفوي ، قم ، إيران : ص 283 .