من خلال الأمثلة ، وإلاّ فتلك الحقائق لا يمكن معرفتها إلاّ بأن يراها الإنسان ويشاهدها ( 1 ) . وهذه طريقة القرآن الكريم في تكليمه للناس ، فهو يصرّح أنّ الحقائق أعظم ممّا يتوهّمه الناس أو يخيّل إليهم ، غير أنّه شيء لا تسعه حواصلهم وحقائق لا تحيط بها أفهامهم ، ولذلك نزّل منزلة قريبة من أفق إدراكهم لينالوا ما شاء الله أن ينالوه من حقيقة هذه المعارف الإلهيّة ، كما قال تعالى : * ( إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ . وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ) * ( 2 ) . من هنا جاء التأكيد على لسان النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله : « إنّا معاشر الأنبياء نكلِّم الناس على قدر عقولهم » ( 3 ) . وهذا التعبير إنّما يحسن إذا كان هناك من الأمور ما لا يبلغه فهم السامعين من الناس وهو ظاهر . وقوله صلّى الله عليه وآله : « نكلِّم » - ولم يقل : نقول أو نبيّن أو نذكر ونحو ذلك - يدلّ على أنّ المعارف التي يبيّنها الأنبياء عليهم السلام إنّما وقع بيانها على قدر عقول أُممهم ، لا أنّه اقتصر بهذا المقدار من المعارف الكثيرة إرفاقاً بالعقول ، اقتصاراً من المجموع بالبعض . بعبارة أخرى : التعبير ناظر إلى الكيف دون الكمّ ، فيدلّ على أنّ هذه المعارف حقيقتها التي هي عليها ، وراء هذه العقول التي تسير في المعارف بالبرهان والجدل والخطابة ، وقد بيّنها الأنبياء عليهم السلام
العرفان الشيعي رؤى في مرتكزاته النظريّة ومسالكه العمليّة من أبحاث السيّد كمال الحيدري — صفحة 163
مساهمون: الشيخ خليل رزق
ص١٦٣
هامش
( 1 ) يشار إلى ما ذكره في الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 2 .
( 2 ) الزخرف : 3 - 4 .
( 3 ) أصول الكافي ، مصدر سابق : ج 1 ص 22 - العقل والجهل .