قوله تعالى ( مثل الجنة التي وعد المتقون ) الآية ، قال فيه ( هو كلام في صورة الإثبات ومعناه النفي الخ ) قال
أحمد ، كم ذكر الناس في تأويل هذه الآية فلم أر أطلى ولا أحلى من هذه النكت التي ذكرها ، لا يعوزها إلا التنبيه
على أن في الكلام محذوفا لا بد من تقديره ، لأنه لا معادلة بين الجنة وبين الخالدين في النار إلا على تقدير مثل ساكن
فيه يقوم وزن الكلام ويتعادل كفتاه ، ومن هذا النمط قوله تعالى - أجعلتهم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن
آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله - فإنه لا بد من تقدير محذوف مع الأول أو الثاني ليتعادل القسمان ،
وبهذا الذي قدرته في الآية ينطبق آخر الكلام على أوله ، فيكون المقصود تنظير بعد التسوية بين المتمسك بالسيئة
والراكب للهوى ببعد التسوية بين المنعم في الجنة والمعذب في النار على الصفات المتقابلة المذكورة في الجهتين ،
وهو من وادى تنظير الشئ بنفسه باعتبار حالتين : إحداهما أوضح في البيان من الأخرى ، فإن المتمسك بالسنة
هو المنعم في الجنة الموصوفة ، والمتبع للهوى هو المعذب في النار المنعوتة ، ولكن أنكر التسوية بينهما باعتبار
الأعمال أولا ، وأوضح ذلك بإنكار التسوية بينهما باعتبار الجزاء ثانيا
الإنصاف فيما تضمنه الكشاف — صفحة 533
مساهمون: أحمد بن محمد الإسكندري المالكي
ص٥٣٣