عليهم ويتخلص عقيدة نفوذ المشيئة وعموم تعلقها بكل كائن عن الرد ، وينصرف الرد إلى دعواهم بسلب الاختيار
لأنفسهم والى إقامتهم الحجة بذلك . خاصة وإذا تدبرت هذه وجدتها كافية في الرد على من زعم من أهل القبلة أن
العبد لا اختيار له ولا قدرة البتة بل هو مجبور على أفعاله مقهور عليها ، وهم الفرقة المعروفون بالمجبرة ، والمصنف
يغالط في الحقائق فيسمي أهل السنة مجبرة وإن أثبتوا للعبد اختيارا وقدرة ، لأنهم يسلبون تأثير قدرة العبد ويجعلونها
مقارنة لأفعاله الاختيارية مميزة بينها وبين أفعاله القسرية ، فمن هذه الجهة سوى بينهم وبين المجبرة ويجعله لقبا عاما
لأهل السنة ، وجماع الرد على المجبرة الذين ميزناهم عن أهل السنة في قوله تعالى - سيقول الذين أشركوا - إلى قوله
قل فلله الحجة البالغة - وتتمة الآية رد صراح على طائفة الاعتزال القائلين بأن الله تعالى شاء الهداية منهم أجمعين ،
فلم تقع من أكثرهم ، ووجه الرد أن لو إذا دخلت على فعل مثبت نفته ، فيقتضي ذلك أن الله تعالى لما قال - فلو
شاء - لم يكن الواقع أنه شاء هدايتهم ولو شاءها لوقعت ، فهذا تصريح ببطلان زعمهم ومحل عقدهم ، فإذا ثبت
اشتمال الآية على رد عقيدة الطائفتين المذكورتين المجبرة في أولها والمعتزلة في آخرها ، فاعلم أنها جامعة لعقيدة السنة
منطبقة عليها ، فإن أولها كما بينا يثبت للعبد اختيارا أو قدرة على وجه يقطع حجته وعذره في المخالفة والعصيان ،
وآخرها يثبت نفوذ مشيئة الله في العبد وأن جميع أفعاله على وفق المشيئة الإلهية خيرا أو غيره وذلك عين عقيدتهم ،
فإنهم كما يثبتون للعبد مشيئة وقدرة يسلبون تأثيرها ، ويعتقدون أن ثبوتهما قاطع لحجته ملزم له بالطاعة على وفق
اختياره ، ويثبتون نفوذ مشيئة الله أيضا وقدرته في أفعال عباده ، فهم كما رأيت تبع للكتاب العزيز ، يثبتون
ما أثبت وينفون ما نفى ، مؤيدون بالعقل والنقل ، والله الموفق . عاد كلامه ، قال ( فإن قلت : هلا قيل قل هلم
شهداء يشهدون أن الله حرم هذا ، وأي فرق بينه وبين المنزل الخ ) قال أحمد رحمه الله : ووجه مناقضته له أنه لو قيل
على خلاف المنزل وهو قوله هلم بشهداء يشهدون يفهم أن الطالب للشهداء ليس على تحقيق من أن ثم شهداء
الإنصاف فيما تضمنه الكشاف — صفحة 60
مساهمون: أحمد بن محمد الإسكندري المالكي
ص٦٠