فيها لما سواه والله أعلم . عاد كلامه ، قال ( فإن قلت : لم عدل عن اللام إلى في في الأربعة الأخيرة الخ ؟ ) قال
أحمد : وثم سر آخر هو أظهر وأقرب ، وذلك أن الأصناف الأربعة الأوائل ملاك لما عساه يدفع إليهم وأن
ما يأخذونه ملكا ، فكان دخول اللام لائقا بهم ، وأما الأربعة الأواخر فلا يملكون ما يصرف نحوهم ، بل ولا
يصرف إليهم ، ولكن في مصالح تتعلق بهم فالمال الذي يصرف في الرقاب إنما يتناوله السادة المكاتبون والبائعون
فليس نصيبهم مصروفا إلى أيديهم حتى يعبر عن ذلك باللام المشعرة بتملكهم لما يصرف نحوهم ، وإنما هم محال
لهذا الصرف والمصلحة المتعلقة به ، وكذلك العاملون إنما يصرف نصيبهم لأرباب ديونهم تخليصا لذممهم لا لهم . وأما
سبيل الله فواضح فيه ذلك . وأما ابن السبيل فكأنه كان مندرجا في سبيل الله ، وأنما أفرد بالذكر تنبيها على خصوصيته
مع أنه مجرد من الحرفين جميعا وعطفه على المجرور باللام ممكن ولكنه على القريب منه أقرب ، والله أعلم . وكان
جدي أبو العباس أحمد بن فارس الفقيه الوزير استنبط من تغاير الحرفين المذكورين وجها في الاستدلال لمالك
على أن الغرض بيان المصرف واللام لذلك لام الملك ، فيقول متعلق الجار الواقع خبرا عن الصدقات محذوف
فيتعين تقديره ، فإما أن يكون التقدير : إنما الصدقات مصروفة للفقراء كقول مالك ، أو مملوكة للفقراء كقول
الشافعي ، لكن الأول متعين لأنه تقدير يكتفى به في الحرفين جميعا يصح تعلق اللام به وفي معا ، فيصح أن تقول :
هذا الشئ مصروف في كذا ولكذا ، بخلاف تقديره مملوكة فإنه إنما يلتئم مع اللام ، وعند الانتهاء إلى " في " يحتاج
إلى تقدير مصروفة ليلتئم بها ، فتقديره من اللام عام التعلق شامل الصحة متعين ، والله الموفق .
قوله تعالى ( ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ) قال
( الأذن الرجل الذي يصدق كل ما يسمع سمى الرجل بالجارحة التي هي آلة السماع الخ ) قال أحمد : لا شئ أبلغ
من الرد عليهم بهذا الوجه ، لأنه في الأول إطماع لهم بالموافقة ، ثم كر على طمعهم بالحسم وأعقبهم في تنقصه
باليأس منه ، ويضاهى هذا من مستعملات الفقهاء القول بالموجب ، لأن في أوله إطماعا للخصم بالتسليم ثم بتا
للطمع على قرب ، ولا شئ أقطع من الإطماع ثم اليأس يتلوه ويعقبه ، والله الموفق .
الإنصاف فيما تضمنه الكشاف — صفحة 198
مساهمون: أحمد بن محمد الإسكندري المالكي
ص١٩٨