قوله تعالى ( إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبوا من قريب فأولئك يتوب الله عليهم ) الآية .
قال محمود ( يعني إنما القبول والغفران واجب على الله الخ ) قال أحمد : وقد تقدم في مواضع أن إطلاق مثل هذا
من قول القائل يجب على الله كذا مما نعوذ بالله منه ، تعالى عن الالزام والايجاب رب الأرباب . وقاعدة أهل السنة
أن الله تعالى مهما تفضل فهو لا عن استحقاق سابق ، لأنهم يقولون : إن الافعال التي يتوهم القدرية أن العبد يستحق
بها على الله شيئا كلها خلق الله ، فهو الذي خلق لعبده الطاعة وأثابه عليها وخلق الله التوبة له وقبلها منه فهو المحسن
أولا وآخرا وباطنا وظاهرا ، لا كالقدرية الذين يزعمون أن العبد خلق لنفسه التوبة بقدرته وحوله ليستوجب على
ربه المغفرة بمقتضى حكمته التي توجب عليه على زعمهم المجازاة على الأعمال إيجابا عقليا ، فلذلك يطلقون بلسان
الجراءة هذا الاطلاق ، وما أبشع ما أكد الزمخشري هذا المعتقد الفاسد بقوله : يجب على الله قبول التوبة كما يجب
على العبد بعض الطاعات ، فنظر المعبود بالعبد وقاس الخالق على الخلق ، وإنه لاطلاق يتقيد عنه لسان العاقل
ويقشعر جلده استبشاعا لسماعه ويتعثر القلم عند تسطيره ، على أن من لطف الله تعالى أن لم يجعل حاكي الكفر كافرا
ولا حاكي البدعة لضرورة ردها والتحذير منها مبتدعا . وما بلغ الزمخشري في هذا الاطلاق إلا اغتناما لفرصة
التمسك على صحته بصيغة ( على ) المشعرة بالوجوب فجعلها ذريعة لاستباحة هذا الاطلاق ، ولم يجعل الله له فيها مستروحا :
فإنا نقول : معاشر أهل السنة قد وعدنا الله قبول التوبة المستجمعة لشرائط الصحة ، ووقوع هذا الموعود واجب
ضرورة صدق الخبر ، فمهما ورد من صيغ الوجوب فمنزل على وجوب صدق الوعد ، ومعنى قولنا صدق الخبر
واجب كمعنى قولنا وجود الله واجب ، لان أحدا لا يستوجب على الله شيئا ، ألهمنا الله الأدب في حق جلاله
وعصمنا من زيغ القول وضلاله .
الإنصاف فيما تضمنه الكشاف — صفحة 512
مساهمون: أحمد بن محمد الإسكندري المالكي
ص٥١٢