عفا الله عنه : والوجهان قريبان من حيث المعنى إلا أن بينهما في الصناعة فرقا وهو إنما استعمل المصدر في الأول
مفعولا من أجله وفي الثاني ظرفا ، وقد وقعت المصادر ظروفا في مثل خفوق النجم ومقدم الحاج وأمثال ذلك ،
وإنما وقعت محاجته بهذا الظرف لاشتماله على إيتاء الملك الحامل له على البطر أو على وضع كفر النعمة فيه مكان
شكرها ، وهذان المعنيان هما المذكوران في الوجه الأول بعينهما ، فلهذا نبهت على أن الفرق بين الوجهين صناعي
لا معنوي ، والله الموفق لمعاني كلامه .
قال محمود ( فإن قلت : كيف جاز أن يؤتى الله الملك الكافر ؟ قلت : ذلك على وجهين : أحدهما آتاه ما غلب
به وتسلط من المال والخدم والاتباع . فأما التغليب والتسليط فلا . الثاني أن يكون ملكه امتحانا لعباده ( قال أحمد )
السؤال مبنى وروده على قاعدة فاسدة وهى اعتقاد وجوب مراعاة ما يتوهمه القدرية صلاحا أو أصلح على الله تعالى
في أفعاله ، وكل ذلك من أصول القدرية التي اجتثها البرهان القاطع فما لها من قرار - وأما إيراد السؤال على صيغة
لم آتاه الله الملك وهو كافر أو لم فعل كذا وكذا فجواب رده على الاطلاق في قوله تعالى - لا يسأل عما يفعل وهم
يسألون - لو سمع الصم البكم ، والله ولى التوفيق . عاد كلامه قال : ومعنى قوله أنا أحيى وأميت : أعفى عن القتل
وأقتل ، وكان الاعتراض عتيدا ولكن إبراهيم عليه السلام لما سمع جوابه الأحمق لم يحاجه فيه ، ولكنه انتقل إلى
ما لا يقدر فيه على مثل ذلك ليبهته أول شئ ، وهذا دليل على جواز الانتقال للمجادل من حجة إلى حجة . قال
أحمد : وقد التزم غير واحد من العلماء أن هذا الذي صدر من الخليل عليه الصلاة والسلام ليس بانتقال من الحجة
ولكن من المثال ، وأما الحجة فهي استدلاله على ألوهية الله تعالى بتعلق قدرته بما لا يجوز تعلق قدرة الحادث به ،
ثم هذا له أمثلة منها الإحياء والإماتة ، ومنها الاتيان بالشمس من المشرق والعدول بعد قيام الحجة ، وتمهيد القاعدة
من مثال إلى مثال ليس ببدع عند أهل الجدل ، والله أعلم .
الإنصاف فيما تضمنه الكشاف — صفحة 388
مساهمون: أحمد بن محمد الإسكندري المالكي
ص٣٨٨