لكان في ذلك تضييق على الولي ، والآية مشعرة بالتخفيف والسعة . وتحتمل الآية وجها اخر وهو عود الضميرين
جميعا إلى الولي ، وقالوا على هذا الوجه يكون العفو إعطاء البدل كأنه قال : فمن أعطى شيئا من أخيه : أي بدلا
من أخيه ، ويكون من مثلهما في قوله تعالى - ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون - ونظيره في استعمال
العفو في العطاء عندي قوله تعالى - إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح - إذا حمل الذي بيده العقدة على
الزوج وهو مذهب الشافعي رضي الله عنه ، ويقول أصحابه عفوه على أحد وجهين : إما من استرجاع النصف
الواجب إن كان قد سلم جميع المهر ، وإما على دفع النصف الآخر الذي سقط عنه إن كان لم يسلمه ، فيكون العفو
على هذا مستعملا في الاعطاء ، ويقوى هذا الوجه في أنه لا قصاص ( قوله تعالى - فاتباع بالمعروف ) - لان المخاطب
بالاتباع بالمعروف إنما هو الولي ، فإذا جعلنا الضميرين له انساق الكلام سياقة واحدة إلى جهة واحدة وصار
المعنى : فمن أعطى من الأولياء بدلا من أخيه فليتبع بالمعروف في طلب ما أعطى ، ولما خالفه الولي عن التقاضي
خاطب القاتل بحسن الأداء فينتظم الكلام موجها إلى جهة واحدة ، وأما على الوجه الذي قرره الزمخشري فالضميران
جميعا راجعان إلى القاتل وتقدير الكلام فمن عفى له من القاتلين عن جنايته شئ من العفو فليتبع الولي هذا القاتل
المعفو عنه بالمعروف ، فيكون المخاطب أول الآية القاتل واخرها الولي ، بخلاف الوجه الذي قررته والله أعلم ،
وكلا الوجهين حسن جيد .
الإنصاف فيما تضمنه الكشاف — صفحة 332
مساهمون: أحمد بن محمد الإسكندري المالكي
ص٣٣٢