فقال الفرّاء : يا أمير المؤمنين ، إن طباع أهل البدو الإعراب ، وطباع أهل الحضر اللَّحن ، فإذا تحفّظت لم ألحن ، وإذا رجعت إلى الطَّبع لحنت . فاستحسن الرّشيد قوله ( 1 ) . وقال ثعلب : العرب تخرج الإعراب على الألفاظ دون المعاني ، ولا يفسد الإعراب المعاني ، وإذا كان الإعراب يفسد المعنى فليس من كلام العرب . وإنّما صحّ قول الفرّاء ، لأنّه عمل النحو والعربيّة على كلام العرب ، فقال : كلّ مسألة وافق إعرابها معناها ، ومعناها إعرابها ، فهو الصحيح ، وإنما لحق سيبويه الغلط ، لأنه حمل ( 2 ) كلام العرب على [ المعاني ( 3 ) ] دون الألفاظ ( 4 ) ، ولم يوجد في كلام العرب وأشعار الفحول إلَّا ما المعنى فيه مطابق ( 5 ) للإعراب ، والإعراب مطابق للمعنى . قال : وما نقله هشام ( 6 ) ، عن الكسائيّ ، فلا مطعن فيه ، وما قاسه فقد لحقه فيه المغمز ( 7 ) ، لأنّه سلك بعض سبيل سيبويه ، فعمل العربية على المعاني وترك الألفاظ ، والفرّاء حمل العربيّة على الألفاظ والمعاني ، فبرع واستحقّ التّقدمة ،
إنباه الرواة على أنباه النحاة — صفحة 8
مساهمون: محمد أبو الفضل إبراهيم
ص٨
هامش
( 1 ) نقله الزبيديّ في طبقات النحويين واللغويين عن محمد بن الجهم .
( 2 ) الزبيديّ : « عمل » .
( 3 ) من الزبيديّ .
( 4 ) في الزبيديّ : « وخلى عن الألفاظ » .
( 5 ) الزبيديّ : « مطبق » .
( 6 ) هو هشام بن معاوية الضرير ، صاحب الكسائيّ ؛ ذكره الزبيديّ في الطبقة الثالثة من النحويين الكونين ، وترجم له المؤلف في الجزء الثالث ص 364 ، 365 .
( 7 ) الزبيديّ : « الغمز » .