وقال الأصمعيّ : سمعت اليزيديّ يقول : كنت أؤدب المأمون وهو في حجر سعيد الجوهريّ ، فتأخّر يوما عن الخروج إلى محلَّة التعليم ، فشكوته إلى سعيد الجوهريّ ، فقال لي : أقمه إذا اعوجّ ، فأحضرته وضربته فبكى . واستؤذن عليه لجعفر بن يحيى ابن برمك ، فقام إلى فراشه فجلس عليه ، ومسح عينيه ، ودخل جعفر فأخليت لهما المجلس ، وخشيت أن يشكوني إليه ، فألقى منه مالا أريده ، فلمّا خرج دخلت عليه ، فقال : ما الذي حملك على الخروج ؟ فذكرت له ذلك ، فقال : أعوذ باللَّه من ظنّك ! هذا الأمر الذي جرى ما أعلم به الرشيد ، فكيف جعفر ! وكيف يحسن بي أن أقول : إنني فعلت أمرا أحتاج فيه إلى التأديب ! لا وأخذك اللَّه بظنك ! قال اليزيديّ : فأمسكت ، وكنت أهابه بعد ذلك ( 1 ) . ولليزيديّ أشعار كثيرة في الرّشيد والمأمون وغيرهما ، قال ولده : واختلفنا عند موته ألَّا نخرج شيئا من شعره إلَّا ما كان في المواعظ ( 2 ) .
إنباه الرواة على أنباه النحاة — صفحة 35
مساهمون: محمد أبو الفضل إبراهيم
ص٣٥
أنا المذنب الخطَّاء والعفو واسع * ولو لم يكن ذنب لما عرف العفو
سكرت فأبدت منّى الكأس بعض ما * كرهت ، وما إن يستوى السّكر والصّحو
ولا سيما إذ كنت عند خليفة * وفي مجلس ما إن يجوز به اللَّغو
فإن تعف عنى تلف خطوى واسعا * وإلَّا يكن عفو ، فقد قصّر الخطو
هامش
( 1 ) الخبر في طبقات الزبيديّ 73 مع اختلاف في الرواية .
( 2 ) نقله الزبيديّ في الطبقات 64 : عن ابنه إسماعيل ؛ والعبارة هناك : « وكان لأبى شعر كثير في الرشيد وجعفر بن يحيى وغيرهما ؛ فلما حضره الموت أخذ علينا إلا نخرج غير المواعظ » .