وفخر فيها علينا ، فحبسه خالد ، وقال : في حبسه صلاح ، لأنه يهجو الناس ويتأكَّلهم ، فغمّ ذلك معاذا ، فقال الأبيات المتقدّمة :
* نصحتك والنصيحة إن تعدّت *
وأجابه الكميت : « أراك كمهدى الماء . . . » . البيت المتقدّم ، ثم قال لمعاذ :
قد جرى القضاء عليّ فما الحيلة الآن ؟ فأشار عليه أن يحتال في الهرب ، وقال له :
إن خالدا قاتلك لا محالة ؛ فاحتال بامرأته ، وكانت تجيئه بالأطعمة وترجع ، فلبس ثيابها ، وخرج كأنه هي ؛ فلحق بمسلمة بن هشام ، فاستجار به .
وقال يصف خروجه إليه :
خرجت خروج القدح قدح ابن مقبل * إليك على تلك الهزاهز والأزل ( 1 ) عليّ ثياب الغانيات وتحتها * عزيمة رأى أشبهت سلَّة النّصل ( 2 )
قال معاذ : عرضت بقلبي فقلتها ، وفيها عبرة :
أفّ وتفّ عاجلا آجلا ( 3 ) * لهذه الدار وأقذارها
بينا ابنها يرضيه إقبالها * عليه إذ ريع بإدبارها
فسلبته لين ميسورها * وأعقبته ضيق إعسارها
ما العار إلا في ارتباط لها * وتركها تنجيك من عارها
هامش
( 1 ) القدح : السهم حينما يشذب ويقوّم ويعدّ لتركيب الريش والنصل فيه . وابن مقبل شاعر فحل ، ذكره ابن سلام في الطبقات ، وابن قتيبة في الشعراء ، وكان وصافا للقداح ، من ذلك قوله في صفة السهم :
غدا وهو مجدول فراح كأنه * من الصك والتقليب في الكف أفطح
خروج من الغمى إذا صك صكة * بدا والعيون المستكفة تلمح
والهزاهز : تحريك البلايا والحروب ، والأزل : الضيق والشدّة . والبيتان في طبقات الشعراء ( طبعة المعارف ص 269 ) مع اختلاف في الرواية .
( 2 ) السلة : المضيّ والخروج ؛ من سل السيف إذا أخرجه من غمده مسرعا .
( 3 ) في بغية الوعاة : « يا أخي عاجلا » .