كان عالما بالعربية وأيام الناس والشعر . وروى عن الأئمة الأثبات في وقته .
وروى عنه الجمّ الغفير . وكان متواضعا ، رآه بعض الناس وهو يحمل بطن شاة بيده ، فقال له : أنا أحملها عنك ، فأنشده :
ما ينقص الكامل من كماله * ما جرّ من خير إلى عياله
قال إسحاق بن إبراهيم ( 1 ) : أتيت إلى محمد بن كناسة لأكتب عنه ، فكثر عليه أصحاب الحديث ، فتضجر بهم وتجهمهم ، فلما انصرفوا عنه دنوت منه ، فهش إليّ واستبشر بي ، وبسط من وجهه ، فقلت له : عجبت من تفاوت حالتيك ، فقال : أضجرنى هؤلاء بسوء آدابهم ، فلما حييتنى أنت انبسطت إليك وأنشدتك . وقد حضرني في هذا المعنى بيتان ، وهما :
فيّ انقباض وحشمة فإذا * صادفت أهل الوفاء والكرم
أرسلت نفسي على سجيّتها * وقلت ما قلت غير محتشم
فقلت : وددت واللَّه أن هذين البيتين لي بنصف ما أملك . فقال : قد وفّر اللَّه عليك مالك ، واللَّه ما سمعهما أحد ، ولا قلتهما إلا لك الساعة ؛ فقلت له : فكيف لي بعلم ينسى أنهما ليسالى ( 2 ) ! . قال إسحاق : فأذكرت ابن كناسة هذين البيتين بعد ، فقال : لكني أقول اليوم :
ضعفت عن الإخوان حتى جفوتهم * على غير زهد في الإخاء ولا الودّ
ولكنّ أيامى تخرّمن قوتى * فما أبلغ الحاجات إلا على جهدي
وسئل يحيى بن معين عن محمد بن كناسة فقال : ثقة . وقال علي بن المدينيّ :
كان ابن كناسة شيخا ثقة صدوقا .
هامش
( 1 ) هو إسحاق بن إبراهيم أبو محمد الموصلي . تقدّمت ترجمته للمؤلف في الجزء الأوّل ص 250 .
( 2 ) الخبر في تاريخ بغداد ( 5 : 406 - 407 ) .