وكان كثير السماع من العرب . وقال أبو زيد : سألني الحكم بن قنبر عن « تعاهدت ضيعتي » ، فقلت : « تعهّدت » ، فقال : لا - وكان عنده ستة من الأعراب الفصحاء - فقلت : اسألهم . فسألهم ( 1 ) . فكلّ قال : « تعهّدت » . فقال : يا أبا زيد ، علم كنت سببه ، أو كلاما نحو هذا . ولم يأخذ أحد من علماء البصريين عن الكوفيين إلا أبا زيد ، فإنه روى عن المفضّل في أوّل كتابه « النوادر » ( 2 ) ، قال : أنشدني المفضّل لضمرة بن ضمرة :
بكرت ( 3 ) تلومك بعد وهن في النّدى * بسل عليك ملامتي وعتابي ( 4 )
وكان أبو زيد يلقّب أصحابه ، فلقّب الجرميّ بالكلب لجدله واحمرار عينيه ، ولقب المازني « تدرج » ( 5 ) لمشيته ، ولقب أبا حاتم برأس البغل ( 6 ) ، ولقب التوّزيّ
هامش
( 1 ) في أخبار النحويين البصريين للسيرافي : « فبدأ بالأقرب إليه فالأقرب » .
( 2 ) قال الأزهري في التهذيب : « ولأبي زيد من الكتب المؤلفة : كتاب النوادر الكبير ، وهو كتاب جامع للغرائب الكثيرة ، والألفاظ النادرة والأمثال السائرة » . وقد طبع بالمطبعة الكاثوليكية ببيروت سنة 1894 م بتحقيق سعيد الخوري الشرتوني .
( 3 ) البيت في اللسان ( 13 : 57 ) ، والنوادر ص 2 ؛ وبعده :
أأصرّها وبنيّ عمى ساغب * فكفاك من إبة عليّ وعاب
هل تخمشن إبلي عليّ وجوهها * أم تعصبنّ رؤسها بسلاب
( 4 ) قال أبو زيد في النوادر : « قال أبو حاتم : بكرت ؛ أي عجلت ، ولم يرد بكور الغدوّ ، ومنه باكورة الرطب والفاكهة للشئ المتعجل منه . وتقول : أنا أبكر العشية فآتيك ؛ أي أعجل ذلك وأسرعه ، ولم يرد الغدوّ ؛ ألا تراه يقول : « بعد وهن » ، أي بعد نومة . والندى : السخاء والعطاء . فلامته في ذلك وأمرته بالإمساك . بسل عليك : حرام عليك ، وكذلك قول زهير :
بلاد بها نادمتهم وألفتهم * فإن تقويا منهم فإنهم بسل
قال أبو حاتم : « هي بسل ، وهما بسل ، وهنّ بسل ؛ الواحد والاثنان والثلاثة والذكر والأنثى فيه سواء » .
( 5 ) في الأصل « اتدرج » ، وصوابه عن مراتب النحويين . والعبارة هناك « ولقب المازني تدرج ؛ لأن مشيته كانت تشبه مشية التدرج » . والتدرج : طائر كالجراد يغرّد في البساتين بأصوات طيبة ، يسمن عند صفاء الهواء وهبوب الشمال ، ويهزل عند كدورته وهبوب الجنوب . يتخذ داره في التراب اللين ، ويضع البيض فيها لئلا يتعرض للآفات . حياة الحيوان للدميري ( 1 : 203 ) .
( 6 ) زاد في مراتب النحويين بعد ذلك : « لكبر رأسه » .