برع في النحو حتى صار أنحى أهل طبقته ، وكان فهما ذكيا فصيحا ، له نظم ورصف حسن ؛ إلا أنه كان عنده عجب بنفسه ، وتيه بعلمه . لقّب نفسه « ملك النحاة » ، وكان يسخط على من يخاطبه بغير ذلك .
وخرج عن بغداذ بعد العشرين وخمسمائة ، وسكن واسطا مدّة ، وأخذ عنه جماعة من أهلها أدبا كثيرا ، ووصفوه وأثنوا عليه بالفضل والمعرفة مع خرق فيه ، وصار منها إلى شيراز وكرمان ، وتنقل في البلاد سنين ؛ حتى استقرّ به الحال بدمشق ، فسكنها إلى حين وفاته ، وله شعر ، منه :
حنانيك ( 1 ) إن جاءتك يوما خصائصى * وهالك أصناف الكلام المسخّر
فسل منصفا عن قالتى غير جائر * يجبك بأنّ الفضل للمتأخّر ( 2 )
توفى أبو نزار النحويّ بدمشق يوم الثلاثاء من شوال سنة ثمان وستين وخمسمائة ، ودفن يوم الأربعاء تاسعه بمقبرة الباب الصغير . ومن شعره عند مقامه بواسط ( 3 ) وارتحاله عنها ؛ يتشوّقها :
أراجع لي عيشى الفارط * أم هو عنى نازح شاحط !
ألا وهل تسعفنى أوبة * يسمو بها نجم المنى الهابط
أرفل في مرط ( 4 ) ارتياح وهل * يطرق سمعي : « هذه واسط » ( 5 ) !
هامش
( 1 ) حنانيك ؛ أي تحنن عليّ مرة بعد أخرى .
( 2 ) رواية البيت في معجم الأدباء وبغية الوعاة :
فسل منصفا عن حالتي غير جائر * يخبّرك أن الفضل للمتأخر
( 3 ) واسط : عدة مواضع ، أشهرها واسط الحجاج . تقع في مكان متوسط بين الكوفة والبصرة . شرع الحجاج في عمارتها سنة 83 ، وفرغ منها سنة 86 .
( 4 ) المرط بالكسر : كساء من صوف أو خز .
( 5 ) قال ابن مكتوم : هذه واسط فاعل يطرق سمعي ؛ أي يطرق سمعي هذا الكلام .