وكان الناس قد أكبّوا عليه لكثرة حفظه ، فساء ذلك حمّادا ( 1 ) وجنّادا ( 2 ) ، فدسّا إليه من اختبره ؛ فإذا هو يحدّث بالحديث عن رجل فعل شيئا ، ثم يحدّث به عن رجل آخر . فتركه الناس حتى كان يجلس وحده . ولبزرج أشعار مروية ، منها :
ليس بيني وبين صحبى إلا * أنّنى فاضل لهم في الذكاء
حسدونى فزخرفوا فيّ قولا * تتلقّاه ألسن البغضاء
كنت أرجو العلاء فيهم بعلمى * فأتاني من الرّجاء بلائي
شدّة استفدتها من رخاء * وانتقاض جنيته من وفاء
153 - بشّار النحويّ الضرير الأندلسيّ
( 3 ) كان نحويا أستاذا في العربية ، شيخا من شيوخ الأدب ، وكان مختصا بمجاهد ابن عبد اللَّه العامريّ ، المدعو بالموفّق ( 4 ) ، ومنقطعا إليه ، وله مع أبي العلاء صاعد
هامش
( 1 ) هو حماد بن ميسرة بن المبارك المعروف بالراوية . كان من أعلم الناس بأيام العرب وأشعارها وأخبارها وأنسابها ولغاتها ، وكانت ملوك بنى أمية تقدّمه وتؤثره وتستزيره ، فيفد عليهم ، ويسألونه عن أيام العرب وعلومها ، ويجزلون صلته ، إلا أنه كان يلحن كثيرا ، وتوفى سنة 155 . ابن خلكان ( 1 : 164 ) .
( 2 ) هو أبو محمد جناد بن واصل ، كان من رواة الأخبار والأشعار ، ولا علم له بالعربية ، إلا أنه كان يلحن كثيرا مثل حماد . معجم الأدباء ( 7 : 206 ) .
( 3 ) . ترجمته في تلخيص ابن مكتوم 44 ، وبغية الملتمس للضبيّ 234 - 235 .
( 4 ) هو مجاهد بن عبد اللَّه العامريّ أبو الجيش ، مولى عبد الرحمن الناصر بن المنصور محمد بن أبي عامر . كان من أهل الأدب والشجاعة والمحبة للعلوم وأهلها ، وكانت له همة وجلادة وجرأة ؛ ولما جاءت الفتنة ، وعصفت بدولة ابن أبي عامر قصد الجزائر التي في شرق الأندلس مع من تبعه ، فغلب عليها وحماها ، ثم غلب على دانية وما يليها ، واستقرّت إقامته فيها . وكان من الكرماء على العلماء ؛ باذلا للرغائب في استمالة الأدباه ، وتوفى سنة 436 . بغية الملتمس للضبيّ ص 457 .