وحدّثنى أحمد بن كامل القاضي قال : هو إبراهيم بن محمد بن عرفة بن سليمان ابن المغيرة بن حبيب بن المهلَّب بن أبي صفرة ، ومولده في سنة خمس ومائتين . والأوّل أثبت وأصح . وتوفّى - رحمه اللَّه - يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأوّل سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة . حضرت جنازته عشاء ، ودفن في مقابر باب الكوفة ، وصلى عليه البربهاريّ - رحمه اللَّه . وكان - رحمه اللَّه - يخضب بالوسمة ، وكان من طهارة الأخلاق ، وحسن المجالسة والصدق فيما يرويه على حال ما شاهدت عليها أحدا ممّن لقيناه . وكان يقول : جلست إلى هذه الأسطوانة ( 1 ) منذ خمسين سنة ( هي مجلسه بجامع المدينة ( 2 ) ) . وكان حسن الحفظ للقرآن أوّل ما يبتدئ به في مجلسه بمسجد الأنباريّين بالغدوات إلى أن يقرئ القرآن على قراءة عاصم ، ( 3 ) ، ثم الكتب بعدها ، وكان فقيها عالما بمذهب داود الأصفهانيّ ، رأسا فيه ، سلَّم له ذلك جميع أصحابه ، وكان مسندا ( 4 ) في الحديث ، ثقة صدوقا ؛ لا يتعلق عليه بشئ من سائر ما رووه . وكان حسن المجالسة للخلفاء والوزراء ، متقن الحفظ للسّير وأيام الناس وتواريخ الزمان ، ووفاة العلماء ، وكانت له مروءة وفتوّة وظرف ، ولقد هجم علينا يوما في بستان كان له بالزّبيدية ( 5 ) في سنة عشرين أو إحدى وعشرين وثلاثمائة ، فرآنا على حال تبدّل ، فانقبضت ، وذهبت أعتذر إليه ، فقال لي : التغافل عن النبيذ سخف ( 6 ) .
إنباه الرواة على أنباه النحاة — صفحة 216
مساهمون: محمد أبو الفضل إبراهيم
ص٢١٦
هامش
( 1 ) الأسطوانة : العمود ، معرب « أستون » .
( 2 ) في معجم الأدباء : « يعنى محلته بجامع المدينة » .
( 3 ) هو عاصم بن أبي النجود بهدلة أبو بكر ؛ مولى بنى جذيمة بن مالك . أحد القرّاء السبعة ، أخذ القراءة عن أبي عبد الرحمن السلميّ وزر بن حبيش ، وأخذ عنه أبو بكر بن عياش ، وأبو عمر البزاز . توفى سنة 127 بالكوفة . ابن خلكان ( 1 : 243 ) .
( 4 ) المسند في الحديث : من يرفعه إلى قائله .
( 5 ) الزبيدية : محلة ببغداد .
( 6 ) بقية الخبر ، كما في معجم الأدباء : ثم أنشدنا لنفسه :
لنا صديق غير عالي الهمم * يحصى على القوم سقاط الكلم
ما استمتع الناس بشئ كما * يستمتع الناس بحسم الحشم