قال الأزهريّ : « قلت أنا : قد اعترف البشتيّ بأنّه لا سماع له في شئ من هذه الكتب ، وأنه نقل ما نقل إلى كتابه ( 1 ) [ من صحفهم ( 2 ) ] ، واعتلّ ( 3 ) بأنه لا يزرى ذلك بمن عرف الغثّ من السمين . وليس كما قال ، لأنه اعترف بأنه صحفيّ ، ( 4 ) [ والصّحفيّ ] ( 5 ) إذا كان رأس ماله صحفا قرأها ، فإنه يصحّف فيكثر ؛ وذلك أنه يخبر عن كتب لم يسمع ( 6 ) بها ، ودفاتر لا يدرى : أصحيح ما كتب فيها أم لا ! وإنّ أكثر ما قرأنا من الصّحف الَّتى لم تضبط بالنقط ( 7 ) الصحيح ، ولم يتولّ تصحيحها أهل المعرفة لسقيمة لا يعتمد عليها ( 8 ) إلا جاهل . وأما قوله : إن غيره من المصنّفين رووا في كتبهم عمّن لم يسمعوا منه ، مثل أبى تراب والقتيبيّ ( 9 ) فليس رواية هذين الرجلين عمّن لم يرياه حجة له ، لأنهما وإن كانا لم يسمعا من كلّ من رويا عنه فقد سمعا من جماعة من الثقات المأمونين ؛ فأما أبو تراب فإنه شاهد أبا سعيد الضّرير سنين كثيرة ، وسمع منه كتبا جمّة ، ثم رحل إلى هراة ، فسمع من شمر بعض كتبه . هذا ، سوى ما سمع من الأعراب الفصحاء لفظا ، وحفظه عن أفواههم خطابا ، فإذا ذكر رجلا لم يره ، ولم يسمع منه سومح فيه ، وقيل : لعلَّه حفظ ما رأى له في الكتب من جهة سماع ثبت له ، فصار قول من لم يره تأييدا لما كان سمعه من غيره ، كما يفعل علماء المحدّثين ، فإنهم إذا صحّ لهم في الباب حديث رواه لهم الثقات أثبتوه واعتمدوا عليه ، ثم ألحقوا به ما يؤيّده من الأخبار التي أخذوها إجازة .
إنباه الرواة على أنباه النحاة — صفحة 145
مساهمون: محمد أبو الفضل إبراهيم
ص١٤٥
هامش
( 1 ) في الأصل : « كتبهم » ، وهو تحريف ، وصوابه ما أثبته عن التهذيب .
( 2 ) زيادة من التهذيب .
( 3 ) في الأصل : « ما أغفل » ، وصوابه عن التهذيب .
( 4 ) الصحفيّ : من يأخذ العلم من الصحيفة ؛ لا عن أستاذ ، وهو منسوب إليها بحذف الياء .
( 5 ) زيادة من التهذيب .
( 6 ) في التهذيب : « لم يسمعها » .
( 7 ) المراد بالنقط هنا الشكل .
( 8 ) في التهذيب : « لا يعتمدها » .
( 9 ) في الأصل : « والبشتيّ » ، وهو خطأ .