ومثقال كلّ ذرّة ، وهماهم كلّ نفس هامّة ، وما عليها من ثمر شجرة ، أو ساقط ورقة ، أو قرارة نطفة ، أو نقاعة دم ومضغة ، أو ناشئة خلق ، وسلالة ، لم تلحقه في ذلك كلفة ، ولا اعترضته في حفظ ما ابتدعه من خلقه عارضة ، ولا اعتورته في تنفيذ الأمور وتدبير المخلوقين ملالة ولا فترة ، بل نفذ فيهم علمه وأحصاهم عدّه ، ووسعهم عدله ، وغمرهم فضله ، مع تقصيرهم عن كنه ما هو أهله . اللَّهمّ أنت أهل الوصف الجميل ، والتّعداد الكثير ، إن تؤمّل فخير مؤمّل وإن ترج فأكرم مرجوّ . اللَّهمّ وقد بسطت لي فيما لا أمدح به غيرك ، ولا أثنى به على أحد سواك ، ولا أوجّهه إلى معادن الخيبة ومواضع الرّيبة وعدلت بلساني عن مدائح الآدميّين والثّناء على المربوبين المخلوقين . اللَّهمّ ولكلّ مثن على من أثنى عليه مثوبة من جزاء ، أو عارفة من عطاء ، وقد رجوتك دليلا على ذخائر الرّحمة وكنوز المغفرة . اللَّهمّ وهذا مقام من أفردك بالتّوحيد الَّذى هو لك ، ولم ير مستحقّا لهذه المحامد والممادح غيرك ، وبى فاقة إليك لا يجبر مسكنتها إلَّا فضلك ، ولا ينعش من خلَّتها إلَّا منّك وجودك ، فهب لنا في هذا المقام رضاك ، وأغننا عن مدّ الأيدي إلى سواك ، إنّك على كلّ شيء قدير .
أقول : هذا الفصل يشتمل على فصلين :
الفصل الاوّل ، في تمجيد اللَّه تعالى باعتبار خلقة الأرض وجملة من أحوالها
واعداده فيها تمام مرافقها ، وخلقه لآدم وذرّيته بعد ذلك في معرض الامتنان عليهم بذلك ، وهو قوله : كبس الأرض ، إلى قوله : طرقها . واستعار لفظ الكبس : لخلقها في وسط كرة الماء ، والمور : التحرّك ، واستعار لفظ الاستفحال : للموج ملاحظة للشبه بالفحل عند صياله ، والأواذى جمع آذىّ وهو : ما عظم من موج البحر . والاثباج جمع ثبج وهو : معظمها وعواليها ، واستعار لفظ الجماح : بحركة الماء على وجه لا يملك . والارتماء : التقاذف . الترداد والتمعّك : التمرّغ . واستعار لفظ كلكل وهو : الصدر للأرض .
والمستخدى : الخاضع . واصطخاب الأمواج : غلبتها . والساجي : الساكن . واستعار لفظ الحكمة وهى ما أحاط من اللجام بحنك الدّابة : لأمر اللَّه بتسكينه . والمدحوّة : المبسوطة .
والتيار : الموج . والبأو : الفخر . وشموخ الأنف كناية : عن التكبر . والغلواء : تجاوز الحد .
اختيار مصباح السالكين — صفحة 229
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٢٢٩