واعلموا أنّ الأمل يسهى العقل ، وينسى الذّكر فأكذبوا الأمل فإنّه غرور ، وصاحبه مغرور . أقول : احاطته بكلّ شيء : علمه بكليّات الأشياء ، وجريانها ، وعلمه وقوّته على كل شيء : استيلاء سلطان قدرته على كل مقدور ، وارهاق الاجل : سرعة لحوقه ، وشغله اى : بأهوال الآخرة . والكظم : مجرى النفس والاخذ به كناية : عن الموت ، ونبّه على وجوب الحذر من مخالفة اللَّه بضمير صغراه قوله : فانّه لم يخلقكم عبثا ، اى : خاليا عن وجه الحكمة بل ليستكملوا في الدنيا ، وأشار إلى وجوه حكمته في خلقهم والطافه في حقّهم ، من انزال الكتاب وبعث الرسول صلى اللَّه عليه وآله ، واكمال دينه الَّذى ارتضى لهم ، وتقدير الكبرى وكلّ من كان كذلك فواجب ان يحفظ حقوقه ، ويحذر من تضييع ما استودعه . والرخصة هنا : المساهلة في تنويع المأكل والمشرب وغيره ، من المباحات فانّ ذلك مظنّة الخروج فيها عن حدّ الإباحة إلى مالا ينبغي في الدين ، ومذاهب الظلمة : مسالكها وطرقها الجائرة . روى انّ إبليس ظهر ليحيى بن زكريا عليهما السّلام ، فرأى عليه معاليق كل شيء فقال له : يا إبليس ما هذه المعاليق قال : هذه هي الشهوات التي أصيب بهنّ قلوب بني آدم ، فقال : هل بي فيها شيء قال : نعم ربما شبعت فشغلناك عن الصلاة وعن الذكر ، قال : هل غير ذلك قال : لا قال للَّه علىّ ان لا أملأ بطني من طعام ابدا ، فقال إبليس : للَّه علىّ ان لا أنصح مسلما ابدا . ولا تداهنوا أنفسكم اى : لا تصانعوها بالتأويلات الضعيفة والشبهات ( 1 ) الباطلة فانّ ذلك سبب للهجوم على المعصية والعبور إليها عن حدّ الفصيلة من المباح . وبيان قوله : انّ انصح الناس لنفسه ، أطوعهم لربّه . لمّا كان غرض النصح انّما هو : جلب الخير والمنفعة للمنصوح وكان اتمّ خير ومنفعة هو السعادة الباقية الابديّة وكانت تلك السعادة انّما تنال بالطاعة فكلّ من كانت طاعته له اتمّ كانت سعادته أتم ، كان هو انصح الناس لنفسه بمبالغته في طاعته ، وظهر من ذلك معنى قوله : وان أغشّهم لنفسه أعصاهم لربّه . والمغبون : من غبن نفسه بالمعصية وبحصوله على السهم الأخيب في الآخرة وتفويت نفسه نصيبها الأوفى من الجنّة . وقوله : المغبوط ، اى : من يستحق ان
اختيار مصباح السالكين — صفحة 205
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٢٠٥
هامش
( 1 ) في ش : والشبه .