ولكن حال زيد وعمرو بعينه فلا ينكشف أصلا ، فإنا إن عولنا على إيمان زيد وعمرو فلا ندري على ما ذا مات ، وكيف ختم له . وإن عولنا على صلاحه الظاهر فالتقوى محله القلب ، وهو غامض يخفى على صاحب التقوى ، فكيف على غيره ، فلا حكم ظاهر الصلاح دون التقوى الباطن قال الله تعالى * ( إِنَّما يَتَقَبَّلُ الله من الْمُتَّقِينَ ) * « 1 » فلا يمكن معرفة حكم زيد وعمرو إلا بمشاهدته ومشاهدة ما يجرى عليه . وإذا مات فقد تحول من عالم الملك والشهادة إلى عالم الغيب والملكوت ، فلا يرى بالعين الظاهرة ، وإنما يرى بعين أخرى ، خلقت تلك العين في قلب كل إنسان ، ولكن الإنسان جعل عليها غشاوة كثيفة من شهواته وأشغاله الدنيوية ، فصار لا يبصر بها ، ولا يتصور أن يبصر بها شيئا من عالم الملكوت ما لم تنقشع تلك الغشاوة عن عين قلبه . ولما كانت الغشاوة منقشعة عن أعين الأنبياء عليهم السلام ، فلا جرم نظروا إلى الملكوت وشاهدوا عجائبه ، والموتى في عالم الملكوت ، فشاهدوهم وأخبروا .
ولذلك [ 1 ] رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ضغطة القبر في حق سعد بن معاذ ، وفي حق زينب ابنته . وكذلك حال أبي جابر لما استشهد ، إذ أخبره أن الله أقعده بين يديه ليس بينهما ستر ومثل هذه المشاهدة لا مطمع فيها لغير الأنبياء والأولياء الذين تقرب درجتهم منهم .
وإنما الممكن من أمثالنا مشاهدة أخرى ضعيفة ، إلا أنها أيضا مشاهدة نبوية ، وأعنى بها المشاهدة في المنام ، وهي من أنوار النبوة . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 2 ] « الرّؤيا الصّالحة جزء من ستّة وأربعين جزأ من النّبوّة » وهو أيضا انكشاف لا يحصل إلا بانقشاع الغشاوة عن القلب ، فلذلك لا يوثق إلا برؤيا الرجل الصالح الصادق . ومن كثر كذبه لم تصدق رؤياه ، ومن كثر فساده ومعاصيه أظلم قلبه فكان ما يراه أضغاث أحلام ولذلك [ 3 ] أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالطهارة عند النوم لينام طاهرا ، وهو إشارة
شرح
[ 1 ] الباب الثامن فيما عرف من أحوال الموتى بالمكاشفة حديث رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ضغطة القبر في حق سعد بن معاذ وفي حق زينب ابنته وكذلك حال أبي جابر لما استشهد : تقدمت الثلاثة أحاديث في الباب الذي قبله
[ 2 ] حديث الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزأ من النبوة : تقدم
[ 3 ] حديث أمره بالطهارة عند النوم متفق عليه من حديث البراء إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوأك للصلاة الحديث .
هامش
« 1 » المائدة : 27