وأعلى منهما رتبة من فوض أمره إلى الله تعالى ، فصار لا يختار لنفسه موتا ولا حياة ، بل يكون أحب الأشياء إليه أحبها إلى مولاه ، فهذا قد انتهى بفرط الحب والولاء إلى مقام التسليم والرضا ، وهو الغاية والمنتهى .
وعلى كل حال ففي ذكر الموت ثواب وفضل ، فإن المنهمك أيضا يستفيد بذكر الموت التجافي عن الدنيا ، إذ ينغص عليه نعيمه ، ويكدر عليه صفو لذته ، وكل ما يكدر على الإنسان اللذات والشهوات فهو من أسباب النجاة
بيان فضل ذكر الموت كيفما كان
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « أكثروا من ذكر هاذم اللَّذّات » معناه نغّصوا بذكره اللذات حتى ينقطع ركونكم إليها . فتقبلوا على الله تعالى ، وقال صلى الله عليه وسلم [ 2 ] « لو تعلم البهائم من الموت ما يعلم ابن آدم ما أكلتم منها سمينا » [ 3 ] وقالت عائشة رضي الله عنها : يا رسول الله ، هل يحشر مع الشهداء أحد ؟ قال :
« نعم من يذكر الموت في اليوم واللَّيلة عشرين مرّة » وإنما سبب هذه الفضيلة كلها أن ذكر الموت يوجب التجافي عن دار الغرور ، ويتقاضى الاستعداد للآخرة .
والغفلة عن الموت تدعو إلى الانهماك في شهوات الدنيا وقال صلى الله عليه وسلم [ 4 ] « تحفة المؤمن الموت » وإنما قال هذا لأن الدنيا سجن المؤمن ، إذ لا يزال فيها في عناء من مقاساة نفسه ، ورياضة شهواته ، ومدافعة شيطانه
شرح
[ 1 ] حديث أكثروا من ذكر هاذم اللذات : الترمذي وقال حسن والنسائي وابن ماجة من حديث أبي هريرة وقد تقدم
[ 2 ] حديث لو تعلم البهائم من الموت ما يعلم ابن آدم ما أكلتم منها سمينا : البيهقي في الشعب من حديث أم حبيبة الجهنية وقد تقدم
[ 3 ] حديث قالت عائشة هل يحشر مع الشهداء أحد قال نعم من ذكر الموت في اليوم والليلة عشرين مرة : تقدم
[ 4 ] حديث تحفة المؤمن الموت : ابن أبي الدنيا في كتاب الموت : والطبراني والحاكم من حديث عبد الله بن عمر مرسلا بسند حسن م 14 . خامس عشر - إحياء