تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
ويقول أنت متبوع ومقتدى بك ، ومنظور إليك ، وما تفعله يؤثر عنك ، ويتأسى بك غيرك فيكون لك ثواب أعمالهم إن أحسنت ، وعليك الوزر إن أسأت ، فأحسن عملك بين يديه ، فعساه يقتدى بك في الخشوع وتحسين العبادة ، وهذا أغمض من الأول وقد ينخدع به من لا ينخدع بالأول ، وهو أيضا عين الرياء ، ومبطل للإخلاص ، فإنه إن كان يرى الخشوع وحسن العبادة خيرا لا يرضى لغيره تركه ، فلم لم يرتض لنفسه ذلك في الخلوة . ولا يمكن أن تكون نفس غيره أعز عليه من نفسه ، فهذا محض التلبيس ، بل المقتدى به ، هو الذي استقام في نفسه واستنار قلبه ، فانتشر نوره إلى غيره ، فيكون له ثواب عليه ، فأما هذا فمحض النفاق والتلبيس ، فمن اقتدى به أثيب عليه ، وأما هو فيطالب بتلبيسه ، ويعاقب على إظهاره من نفسه ما ليس متصفا به الدرجة الثالثة : وهي أدق مما قبلها أن يجر العبد نفسه في ذلك ، ويتنبه لكيد الشيطان ويعلم أن مخالفته بين الخلوة والمشاهدة للغير محض الرياء ، ويعلم أن الإخلاص في أن تكون صلاته في الخلوة مثل صلاته في الملإ ، ويستحيي من نفسه ومن ربه أن يتخشع لمشاهدة خلقه تخشعا زائدا على عادته . فيقبل على نفسه في الخلوة ويحسن صلاته على الوجه الذي يرتضيه في الملإ ، ويصلى في الملإ أيضا كذلك ، فهذا أيضا من الرياء الغامض ، لأنه حسن صلاته في الخلوة لتحسن في الملإ فلا يكون قد فرق بينها ، فالتفاته في الخلوة والملإ إلى الخلق ، بل الإخلاص أن تكون مشاهدة البهائم لصلاته . ومشاهدة الخلق على وتيرة واحدة ، فكأن نفس هذا ليست تسمح بإساءة الصلاة بين أظهر الناس . ثم يستحيي من نفسه أن يكون في صورة المرائين ، ويظن أن ذلك يزول بأن تستوي صلاته في الخلأ والملإ ، وهيهات بل زوال ذلك بأن لا يلتفت إلى الخلق كما لا يلتفت إلى الجمادات في الخلأ والملإ جميعا ، وهذا من شخص مشغول الهم بالخلق في الملإ والخلأ جميعا ، وهذا من المكايد الخفية للشيطان الدرجة الرابعة : وهي أدق وأخفى ، أن ينظر إليه الناس وهو في صلاته فيعجز الشيطان عن أن يقول له اخشع لأجلهم ، فإنه قد عرفت أنه تفطن لذلك فيقول له الشيطان تفكر في عظمة الله تعالى وجلاله ، ومن أنت واقف بين يديه ، واستحى من أن ينظر الله إلى قلبك وهو غافل عنه . فيحضر بذلك قلبه ، وتخشع جوارحه ، ويظن أن ذلك عين الإخلاص ،