مشغولا بالفرار عن جوار الماء الكثير ، ولا ببعض الماء الكثير . بل تقول أشرب منه بقدر الحاجة ، وأسقى منه عباد الله بقدر الحاجة ، ولا أبخل به على أحد فهكذا ينبغي أن يكون المال ، لأن الخبز والماء واحد في الحاجة ، وإنما الفرق بينهما في قلة أحدهما وكثرة الآخرة . وإذا عرفت الله تعالى ، ووثقت بتدبيره الذي دبر به العالم ، علمت أن قدر حاجتك من الخبز يأتيك لا محالة ما دمت حيا ، كما يأتيك قدر حاجتك من الماء ، على ما سيأتي بيانه في كتاب التوكل إن شاء الله تعالى قال أحمد بن أبي الحواري : قلت لأبي سليمان الداراني : قال مالك بن دينار للمغيرة اذهب إلى البيت ، فخذ الركوة « 1 » التي أهديتها لي ، فإن العدوّ يوسوس لي أن اللص قد أخذها . قال أبو سليمان : هذا من ضعف قلوب الصوفية ، قد زاده في الدنيا ما غلبه من أخذها فبين أن كراهية كون الركوة في بيته التفات إليها سببه الضعف والنقصان فإن قلت : فما بال الأنبياء والأولياء هربوا من المال ونفروا منه كل النفار فأقول : كما هربوا من الماء ، على معنى أنهم ما شربوا أكثر من حاجتهم ، ففروا عما وراءه ، ولم يجمعوه في القرب والروايا يديرونه مع أنفسهم ، بل تركوه في الأنهار والآبار والبراري للمحتاجين إليه . لا أنهم كانت قلوبهم مشغولة بحبه أو بغضه وقد حملت [ 1 ] خزائن الأرض إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . وإلى أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، فأخذوها ووضعوها في مواضعها ، وما هربوا منها . إذا كان يستوي عندهم المال ، والماء ، والذهب ، والحجر . وما نقل عنهم من امتناع ، فإما أن ينقل عمن خاف أن لو أخذه أن يخدعه المال
شرح
( كتاب الفقر والزهد )
[ 1 ] حديث ان خزائن الأرض حملت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أبي بكر وعمر فأخذوها ووضعوها في مواضعها : هذا معروف وقد تقدم في آداب المعيشة من عند البخاري تعليقا مجزوما به من حديث أنس أتى النبي صلى الله عليه وسلم بمال من البحرين وكان أكثر مال أتى به فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة ولم يلتفت إليه فلما قضى الصلاة جاء فجلس إليه فقلما كان يرى أحدا الا أعطاه ووصله عمر بن محمد البحيري في صحيحه من هذا الوجه وفي الصحيحين من حديث عمرو بن عوف قدم أبو عبيدة بمال من البحرين فسمعت الأنصار بقدومه - الحديث :
ولهما من حديث جابر لو جاءنا مال البحرين أعطيتك هكذا ثلاثا فلم يقدم حتى توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر أبو بكر مناديا فنادى من مكان له على رسول الله صلى الله عليه وسلم عدة أو دين فليأتنا فقلت ان النبي صلى الله عليه وسلم وعدني فحثا لي ثلاثا
هامش
« 1 » الركوة - الزورق الصغير