وقال يحيى بن معاذ رحمة الله عليه : مسكين ابن آدم ، لو خاف النار كما يخاف الفقر دخل الجنة . وقال ذو النون رحمه الله تعالى : من خاف الله تعالى ذاب قلبه . واشتهد لله حبه ، وصح له لبه . وقال ذو النون أيضا : ينبغي أن يكون الخوف أبلغ من الرجاء ، فإذا غلب الرجاء تشوش القلب . وكان أبو الحسين الضرير يقول : علامة السعادة خوف الشقاوة ، لأن الخوف زمام بين الله تعالى وبين عبده ، فإن انقطع زمامه هلك مع الهالكين وقيل ليحيى بن معاذ : من آمن الخلق غدا ؟ فقال : أشدهم خوفا اليوم . وقال سهل رحمه الله : لا تجد الخوف حتى تأكل الحلال . وقيل للحسن : يا أبا سعيد ، كيف نصنع ؟ نجالس أقواما يخوفوننا حتى تكاد قلوبنا تطير . فقال : والله إنك إن تخالط أقواما يخوفونك حتى يدركك أمن ، خير لك من أن تصحب أقواما يؤمنونك حتى يدركك الخوف . وقال أبو سليمان الداراني رحمه الله : ما فارق الخوف قلبا إلا خرب وقالت [ 1 ] عائشة رضي الله عنها . قلت يا رسول الله * ( الَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ « 1 » ) * هو الرجل يسرق ويزني ؟ قال « لا بل الرّجل يصوم ويصلَّى ويتصدّق ويخاف أن لا يقبل منه » . والتشديدات الواردة في الأمن من مكر الله وعذابه لا تنحصر .
وكل ذلك ثناء على الخوف ، لأن مذمة الشيء ثناء على ضده الذي ينفيه ، وضد الخوف الأمن ، كما أن ضد الرجاء اليأس . وكما دلت مذمة القنوط على فضيلة الرجاء ، فكذلك تدل مذمة الأمن على فضيلة الخوف المضادّ له . بل نقول كل ما ورد في فضل الرجاء فهو دليل على فضل الخوف ، لأنهما متلازمان ، فإن كل من رجا محبوبا فلا بد وأن يخاف فوته ، فإن كان لا يخاف فوته فهو إذا لا يحبه فلا يكوب بانتظاره راجيا فالخوف والرجاء متلازمان يستحيل انفكاك أحدهما عن الآخر . نعم يجوز أن يغلب أحدهما على الآخر وهما مجتمعان ، ويجوز أن يشتغل القلب بأحدهما ولا يلتفت إلى الآخر في الحال لغفلته عنه ، وهذا لأن من شرط الرجاء والخوف تعلقهما بما هو مشكوك فيه ، إذ المعلوم لا يرجى ولا يخاف
شرح
[ 1 ] حديث عائشة قلت يا رسول الله - الذين يؤتون ما أتوا وقلوبهم وجلة - هو الرجل يسرق ويزني قال لا - الحديث : الترمذي وابن ماجة والحاكم وقال صحيح الاسناد قلت بل منقطع بين عائشة وبين عبد الرحمن بن سعد بن وهب قال الترمذي وروى عن عبد الرحمن بن سعد عن أبي حازم عن أبي هريرة
هامش
« 1 » المؤمنون 60