للرّجل الصّالح « وكل ما جاء في ثواب الصدقة والحج ، فهو ثناء على المال ، إذ لا يمكن الوصول إليهما إلا به . وقال تعالى * ( ويَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً من رَبِّكَ ) * « 1 » وقال تعالى ممتنا على عباده * ( ويُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وبَنِينَ ويَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ ويَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً ) * « 2 » وقال صلى الله عليه وسلم [ 1 ] » كاد الفقر أن يكون كفرا « وهو ثناء على المال ولا تقف على وجه الجمع بعد الذم والمدح ، إلا بأن تعرف حكمة المال ، ومقصوده ، وآفاته ، وغوائله ، حتى ينكشف لك أنه خير من وجه ، وشر من وجه ، وأنه محمود من حيث هو خير ، ومذموم من حيث هو شر . فإنه ليس بخير محض ، ولا هو شر محض ، بل هو سبب للأمرين جميعا . وما هذا وصفه فيمدح لا محالة تارة ، ويذم أخرى . ولكن البصير المميز ، يدرك أن المحمود منه غير المذموم . وبيانه بالاستمداد مما ذكرناه في كتاب الشكر ، من بيان الخيرات ، وتفصيل درجات النعم ، والقدر المقنع فيه ، هو أن مقصد الأكياس وأرباب البصائر سعادة الآخرة ، التي هي النعيم الدائم ، والملك المقيم ، والقصد إلى هذا دأب الكرام والأكياس ، إذ قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم [ 2 ] ، من أكرم الناس وأكيسهم فقال » أكثرهم للموت ذكرا وأشدّهم له استعدادا « ، وهذه السعادة لا تنال إلا بثلاث وسائل في الدنيا ، وهي الفضائل النفسية ، كالعلم ، وحسن الخلق ، والفضائل البدنية ، كالصحة ، والسلامة ، والفضائل الخارجة عن البدن ، كالمال ، وسائر الأسباب .
وأعلاها النفسية ، ثم البدنية ، ثم الخارجة ، فالخارجة أخسها . والمال من جملة الخارجات .
وأدناها الدراهم والدنانير ، فإنّهما خادمان ، ولا خادم لهما ، ومرادان لغيرهما ، ولا يرادان لذاتهما . إذا النفس هي الجوهر النفيس المطلوب سعادتها ، وأنها تخدم العلم والمعرفة ومكارم الأخلاق لتحصلها صفة في ذاتها . والبدن يخدم النفس بواسطة الحواس ، والأعضاء .
والمطاعم والملابس تخدم البدن ، وقد سبق أن المقصود من المطاعم إبقاء البدن ، ومن المناكح
شرح
[ 1 ] حديث كاد الفقر أن يكون كفرا : أبو مسلم الليثي في سننه والبيهقي في شعب الايمان من حديث أنس وقد تقدم في كتاب ذم الغضب
[ 2 ] حديث أكرم الناس وأكيسهم قال أكثرهم للموت ذكرا - الحديث : ابن ماجة من حديث ابن عمر بلفظ أي المؤمنين أكيس ورواه ابن أبي الدنيا في الموت بلفظ المصنف واسناده جيد
هامش
« 1 » الكهف : 82 .
« 2 » نوح : 12