تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
السبب الثاني : التعزز . وهو أن يثقل عليه أن يترفع عليه غيره . فإذا أصاب بعض أمثاله ولاية ، أو علما ، أو مالا ، خاف أن يتكبر عليه ، وهو لا يطيق تكبره ، ولا تسمح نفسه باحتمال صلفه وتفاخره عليه ، وليس من غرضه أن يتكبر ، بل غرضه أن يدفع كبره فإنه قد رضى بمساواته مثلا ، ولكن لا يرضى بالترفع عليه السبب الثالث : الكبر . وهو أن يكون في طبعه أن يتكبر عليه ، ويستصغره ويستخدمه ، ويتوقع منه الانقياد له ، والمتابعة في أغراضه . فإذا نال نعمة خاف أن لا يحتمل تكبره ، ويترفع عن متابعته ، أو ربما يتشوف إلى مساواته ، أو إلى أن يرتفع عليه ، فيعود متكبرا بعد أن كان متكبرا عليه . ومن التكبر والتعزز كان حسد أكثر الكفار لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ قالوا كيف يتقدم علينا غلام يتيم ! وكيف نطأطئ رؤسنا [ 1 ] فقالوا * ( لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ من الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ) * « 1 » أي كان لا يثقل علينا أن يتواضع له ، ونتبعه إذا كان عظيما . وقال تعالى يصف قول قريش * ( أَهؤُلاءِ من الله عَلَيْهِمْ من بَيْنِنا ) * « 2 » كالاستحقار لهم والأنفة منهم السبب الرابع : التعجب . كما أخبر الله تعالى عن الأمم السالفة ، إذ قالوا * ( ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا ) * « 3 » وقالوا * ( أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا ) * « 4 » * ( ولَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ ) * « 5 » فتعجبوا من أن يفوز برتبة الرسالة ، والوحي ، والقرب من الله تعالى ، بشر مثلهم . فحسدوهم ، وأحبوا زوال النبوة عنهم ، جزعا أن يفضل عليهم من هو مثلهم في الخلقة ، لا عن قصد تكبر ، وطلب رياسة ، وتقدم عداوة ، أو سبب آخر من سائر الأسباب وقالوا متعجبين * ( أَبَعَثَ الله بَشَراً رَسُولًا ) * « 6 » وقالوا * ( لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ ) * « 7 »
شرح
( بيان أسباب الحسد والمنافسة ) [ 1 ] حديث سبب نزول قوله تعالى لولا نزل هذا القرءان على رجل من القريتين عظيم : ذكره ابن إسحاق في السيرة وإن قائل ذلك الوليد بن المغيرة قال أينزل على محمد وأترك وأنا كبير قريش وسط ويترك أبو مسعود عمرو بن عمير الثقفي سيد ثقيف فنحن عظماء القريتين فأنزل الله فيما بلغني هذه الآية ورواه أبو محمد بن أبي حاتم وابن مردويه في تفسيريهما من حديث ابن عباس الا أنهما قالا مسعود بن عمرو وفي رواية لابن مردويه حبيب بن عمير الثقفي وهو ضعيف
هامش
« 1 » الزخرف : 31 « 2 » الانعام : 53 « 3 » يس : 15 « 4 » المؤمنون : 47 « 5 » المؤمنون : 34 « 6 » الاسراء : 94 « 7 » الفرقان : 21