حتى تحمر وجنتاه ، حتى قال [ 1 ] « اللَّهمّ أنا بشر أغضب كما يغضب البشر فأيّما مسلم سببته أو لعنته أو ضربته فاجعلها منّى صلاة عليه وزكاة وقربة تقرّبه بها إليك يوم القيامة » وقال عبد الله بن عمرو بن العاص ، [ 2 ] يا رسول الله ، أكتب عنك كل ما قلت في الغضب والرضا ؟ فقال « اكتب فو الَّذي بعثني بالحقّ نبيّا ما يخرج منه إلَّا حقّ » وأشار إلى لسانه . فلم يقل إني لا أغضب . ولكن قال إن الغضب لا يخرجني عن الحق ، أي لا أعمل بموجب الغضب . وغضبت عائشة رضي الله عنها مرة ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 3 ] « مالك جاءك شيطانك » فقالت ومالك شيطان ؟ قال « بلى ولكنّى دعوت الله فأعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلَّا بالخير » ولم يقل لا شيطان لي وأراد شيطان الغضب ، لكن قال لا يحملني على الشر . وقال علي رضي الله عنه ، [ 4 ] كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يغضب للدنيا . فإذا أغضبه الحق ، لم يعرفه أحد ، ولم يقم لغضبه شيء ، حتى ينتصر له .
فكان يغضب على الحق ، وإن كان غضبه لله ، فهو التفات إلى الوسائط على الجملة بل كل من يغضب على من يأخذ ضرورة قوته وحاجته ، التي لا بد له في دينه منها ، فإنما غضب لله ، فلا يمكن الانفكاك عنه . نعم قد يفقد أصل الغضب فيما هو ضروري ، إذا كان القلب مشغولا بضروري أهم منه ، فلا يكون في القلب متسع للغضب ، لاشتغاله بغيره ، فإن استغراق القلب ببعض المهمات ، يمنع الإحساس بما عداه ، وهذا كما أن سلمان لما شتم قال ، إن خفت موازينى فأنا شر مما تقول ، وإن ثقلت موازينى لم يضرني ما تقول فقد كان همه مصروفا إلى الآخرة ، فلم يتأثر قلبه بالشتم . وكذلك شتم الربيع بن خثيم فقال يا هذا ، قد سمع الله كلامك ، وإن دون الجنة عقبة ، إن قطعتها لم يضرني ما تقول ،
شرح
[ 1 ] حديث اللهم أبا بشر أغضب كما يغضب البشر - الحديث : مسلم من حديث أبي هريرة دون قوله أغضب كما يغضب البشر وقال جلدته بدل ضربته وفي رواية اللهم انما محمد بشر يغضب كما يغضب البشر وأصله متفق عليه وتقدم ولمسلم من حديث أنس انما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر وأغضب كما يغضب البشر ولأبي يعلى من حديث أبي سعيد أو ضربته
[ 2 ] حديث عبد الله بن عمرو يا رسول الله أكتب عنك كل ما قلت في الغضب والرضا قال اكتب فوالذي بعثني بالحق ما يخرج منه الا حق وأشار إلى لسانه : أبو داود بنحوه
[ 3 ] حديث غضبت عائشة فقال النبي صلى الله عليه وسلم مالك جاءك شيطانك - الحديث : مسلم من حديث عائشة
[ 4 ] حديث على كان لا يغضب لدنيا - الحديث : الترمذي في الشمائل وقد تقدم