أحكم من هذا ، وإنه لكلام حكيم . وقال صلى الله عليه وسلم « [ 1 ] البطنة أصل الدّاء والحمية أصل الدّواء وعوّدوا كلّ جسم ما اعتاد » وأظن تعجب الطبيب جرى من هذا الخبر لا من ذاك وقال ابن سالم ، من أكل خبز الحنطة بحتا بأدب ، لم يعتل إلا علة الموت قيل وما الأدب قال تأكل بعد الجوع ، وترفع قبل الشبع وقال بعض أفاضل الأطباء ، في ذم الاستكثار ، إن أنفع ما أدخل الرجل بطنه الرمان ، وأضر ما أدخل معدته المالح ولأن يقلل من المالح خير له من أن يستكثر من الرمان . وفي الحديث [ 2 ] « صوموا تصحّوا » ففي الصوم والجوع وتقليل الطعام صحة الأجسام من الأسقام ، وصحة القلوب من سقم الطغيان والبطر وغيرهما
الفائدة التاسعة : خفة المؤنة .
فإن من تعود قلة الأكل كفاه من المال قدر يسير . والذي تعود الشبع صار بطنه غريما ملازما له ، آخذا بمخنقه في كل يوم ، فيقول ما ذا تأكل اليوم ؟
فيحتاج إلى أن يدخل المداخل ، فيكتسب من الحرام فيعصى ، أو من الحلال فيذل . وربما يحتاج إلى أن يمد أعين الطمع إلى الناس ، وهو غاية الذل والقماءة . والمؤمن خفيف المؤنة وقال بعض الحكماء ، إني لأقضى عامّة حوائجي بالترك ، فيكون ذلك أروح لقلبي . وقال آخر ، إذا أردت أن أستقرض من غيري لشهوة أو زيادة ، استقرضت من نفسي ، فتركت الشهوة ، فهي خير غريم لي .
وكان إبراهيم بن أدهم رحمه الله ، يسأل أصحابه عن سعر المأكولات ، فيقال إنها غالية فيقول أرخصوها بالترك . وقال سهل رحمه الله ، الأكول مذموم في ثلاثة أحوال ، إن كان من أهل العبادة فيكسل . وإن كان مكتسبا فلا يسلم من الآفات . وإن كان ممن يدخل عليه شيء فلا ينصف الله تعالى من نفسه وبالجملة سبب هلاك الناس حرصهم على الدنيا . وسبب حرصهم على الدنيا البطن والفرج وسبب شهوة الفرج شهوة البطن . وفي تقليل الأكل ما يحسم هذه الأحوال كلها ، وهي أبواب النار . وفي حسمها فتح أبواب الجنة ، كما قال صلى الله عليه وسلم « أديموا قرع باب الجنّة بالجوع » فمن قنع برغيف في كل يوم ، قنع في سائر الشهوات أيضا ، وصار حرا ،
شرح
[ 1 ] حديث البطنة أصل الداء والحمية أصل الدواء وعودوا كل بدن بما اعتاد : لم أجد له أصلا
[ 2 ] حديث صوموا تصحوا : الطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الطب النبوي من حديث أبي هريرة بسند ضعيف