وهي ضرورية في الجبلة . فلو انقطعت شهوة الطعام لهلك الإنسان ، ولو انقطعت شهوة الوقاع لانقطع النسل ، ولو انعدم الغضب بالكلية لم يدفع الإنسان عن نفسه ما يهلكه ولهلك . ومهما بقي أصل الشهوة ، فيبقى لا محالة حب المال الذي يوصله إلى الشهوة ، حتى يحمله ذلك على إمساك المال . وليس المطلوب إماطة ذلك بالكلية . بل المطلوب ردها إلى الاعتدال ، الذي هو وسط بين الإفراط والتفريط . والمطلوب في صفة الغضب حسن الحمية وذلك بأن يخلو عن التهور وعن الجبن جميعا . وبالجملة أن يكون في نفسه قويا ، ومع قوته منقادا للعقل . ولذلك قال الله تعالى * ( أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ ) * « 1 » وصفهم بالشدة وإنما تصدر الشدة عن الغضب : ولو بطل الغضب لبطل الجهاد . وكيف يقصد قلع الشهوة والغضب بالكلية ، والأنبياء عليهم السلام لم ينفكوا عن ذلك . إذ قال صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « إنّما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر » [ 2 ] وكان إذا تكلم بين يديه بما يكرهه يغضب ، حتى تحمر وجنتاه . ولكن لا يقول إلا حقا . فكان عليه السلام لا يخرجه غضبه عن الحق . وقال تعالى * ( والْكاظِمِينَ الْغَيْظَ والْعافِينَ عَنِ النَّاسِ ) * « 2 » ولم يقل والفاقدين الغيظ .
فرد الغضب والشهوة إلى حد الاعتدال ، بحيث لا يقهر واحد منهما العقل ، ولا يغلبه بل يكون العقل هو الضابط لهما ، والغالب عليهما ، ممكن . وهو المراد بتغيير الخلق . فإنه ربما تستولى الشهوة على الإنسان ، بحيث لا يقوى عقله على دفعها عن الانبساط إلى الفواحش وبالرياضة تعود إلى حد الاعتدال . فدل أن ذلك ممكن . والتجربة والمشاهدة تدل على ذلك دلالة لا شك فيها
شرح
[ 1 ] حديث إنما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر : م من حديث أنس وله من حديث أبي هريرة إنما محمد بشر يغضب كما يغضب البشر
[ 2 ] حديث أنه كان يتكلم بين يديه بما يكرهه فيغضب حتى تحمر وجنتاه ولكن لا يقول إلا حقا فكان الغضب لا يخرجه عن الحق : الشيخان من حديث عبد الله بن الزبير في قصة شراج الحرة فقال لأن كان ابن عمتك فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهما من حديث أبي سعيد الخدري وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه ولهما من حديث عائشة وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله ولمسلم ما ينال منه شيء قط فينتقم من صاحبه - الحديث
هامش
« 1 » الفتح : 29
« 2 » آل عمران : 134