الفائدة الرابعة الخلاص من شر الناس
، فإنهم يؤذونك مرة بالغيبة ، ومرة بسوء الظن والتهمة ، ومرة بالاقتراحات والأطماع الكاذبة ، التي يعسر الوفاء بها ، وتارة بالنميمة أو الكذب ، فربما يرون منك من الأعمال أو الأقوال ما لا تبلغ عقولهم كنهه ، فيتخذون ذلك ذخيرة عندهم ، يدخرونها لوقت تظهر فيه فرصة للشر ، فإذا اعتزلتهم استغنيت من التحفظ عن جميع ذلك . ولذلك قال بعض الحكماء لغيره : أعلمك بيتين خير من عشرة آلاف درهم . قال ما هما ؟ قال
اخفض الصوت إن نطقت بليل
والتفت بالنهار قبل المقال
ليس للقول رجعة حين يبدو
بقبيح يكون أو بجمال
ولا شك أن من اختلط بالناس ، وشاركهم في أعمالهم ، لا ينفك من حاسد وعدو يسيء الظن به ، ويتوهم أنه يستعد لمعاداته ، ونصب المكيدة عليه ، وتدسيس غائلة وراءه .
فالناس مهما اشتد حرصهم على أمر ، يحسبون كل صيحة عليهم ، هم العدو فاحذرهم . وقد اشتد حرصهم على الدنيا ، فلا يظنون بغيرهم إلا الحرص عليها . قال المتنبي
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه
وصدق ما يعتاده من توهم
وعادى محبيه بقول عداته
فأصبح في ليل من الشك مظلم
وقد قيل : معاشرة الأشرار تورث سوء الظن بالأبرار . وأنواع الشر الذي يلقاه الإنسان من معارفه ، وممن يختلط به كثيرة . ولسنا نطول بتفصيلها . ففيما ذكرناه إشارة إلى مجامعها وفي العزلة خلاص من جميعها . وإلى هذا أشار الأكثر ممن اختار العزلة ، فقال أبو الدرداء أخبر تقله يروى مرفوعا . وقال الشاعر
من حمد الناس ولم يبلهم
ثم بلادهم ذم من يحمد
وصار بالوحدة مستأنسا
يوحشه الأقرب والأبعد
وقال عمر رضي الله عنه : في العزلة راحة من القرين السوء . وقيل لعبد الله بن الزبير ألا تأتي المدينة فقال ما بقي فيها إلا حاسد نعمة ، أو فرح بنقمة . وقال ابن السماك