تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 16

مساهمون:

ص١٦
إن الله لم يأمن على هذا الأمر أقل من أربعة شهود . ثم تركهم ما شاء الله أن يتركهم ثم سألهم ، فقال القوم مثل مقالتهم الأولى ، فقال علي رضي الله عنه مثل مقالته الأولى . وهذا يشير إلى أن عمر رضي الله عنه ، كان مترددا في أن الوالي هل له أن يقضي بعلمه في حدود الله ، فلذلك راجعهم في معرض التقدير لا في معرض الإخبار ، خيفة من أن لا يكون له ذلك ، فيكون قاذفا بإخباره . ومال رأي عليّ إلى أنه ليس له ذلك وهذا من أعظم الأدلة على طلب الشرع لستر الفواحش ، فإن أفحشها الزنا ، وقد نيط بأربعة من العدول ، يشاهدون ذلك منه في ذلك منها كالمرود في المكحلة ، وهذا قط لا يتفق وإن علمه القاضي تحقيقا لم يكن له أن يكشف عنه . فانظر إلى الحكمة في حسم باب الفاحشة بإيجاب الرجم الذي هو أعظم العقوبات ، ثم انظر إلى كثيف ستر الله كيف أسبله على العصاة من خلقه ، بتضييق الطريق في كشفه . فنرجو أن لا نحرم هذا الكرم يوم تبلى السرائر ففي الحديث [ 1 ] « إنّ الله إذا ستر على عبد عورته في الدّنيا فهو أكرم من أن يكشفها في الآخرة وإن كشفها في الدّنيا فهو أكرم من أن يكشفها مرّة أخرى » وعن عبد الرحمن ابن عوف رضي الله عنه قال : خرجت مع عمر رضي الله عنه ليلة في المدينة ، فبينما نحن نمشي إذ ظهر لنا سراج . فانطلقنا نؤمه . فلما دنونا منه ، إذا باب مغلق على قوم لهم أصوات ولغط . فأخذ عمر بيدي ، وقال أتدري بيت من هذا ؟ قلت لا فقال . هذا بيت ربيعة ابن أمية بن خلف ، وهم الآن شرب فما ترى ؟ قلت أرى أنّا قد أتينا ما نهانا الله عنه ، قال الله تعالى * ( ولا تَجَسَّسُوا ) * « 1 » فرجع عمر رضي الله عنه وتركهم . وهذا يدل على وجوب الستر وترك التتبع وقد قال صلَّى الله عليه وسلم لمعاوية [ 2 ] « إنّك إن تتبّعت عورات النّاس أفسدتهم أو كدت تفسدهم »
شرح
[ 1 ] حديث ان الله إذا ستر على عبده عورة في الدنيا فهو أكرم من أن يكشفه في الآخرة : الحديث الترمذي وابن ماجة والحاكم من حديث على من أذنب ذنبا في الدنيا فستره الله عليه وعفا عنه فاللَّه أكرم من أن يرجع في شيء قد عفا عنه ومن أذنب ذنبا في الدنيا فعوقب عليه فاللَّه أعدل من أن يثنى العقوبة على عبده لفظ الحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين ولمسلم من حديث أبي هريرة لا ستر الله على عبد في الدنيا إلا ستره يوم القيامة [ 2 ] حديث انك ان اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت تفسدهم : قاله لمعاوية أبو داود بإسناد صحيح من حديث معاوية
هامش
« 1 » الحجرات : 12
إحياء علوم الدين — صفحة 16 | الغزالي