ودخل وهب بن منبه ، وطاوس ، على محمد بن يوسف أخي الحجاج ، وكان عاملا . وكان في غداة باردة في مجلس بارز . فقال لغلامه ، هلم ذلك الطيلسان وألقه على أبي عبد الرحمن أي طاوس ، وكان قد قعد على كرسي . فألقى عليه ، فلم يزل يحرك كتفيه حتى ألقى الطيلسان عنه . فغضب محمد بن يوسف . فقال وهب . كنت غنيا عن أن تغضبه لو أخذت الطيلسان وتصدقت به . قال نعم ، لولا أن يقول من بعدي إنه أخذه طاوس ولا يصنع به ما أصنع به إذن لفعلت
الغائلة الثالثة :
أن يتحرك قلبك إلى حبه ، لتخصيصه إياك وإيثاره لك بما أنفذه إليك . فإن كان كذلك فلا تقبل . فإن ذلك هو السم القاتل ، والداء الدفين ، أعنى ما يحبب الظلمة إليك . فإن من أحببته لا بد أن تحرص عليه ، وتداهن فيه . قالت عائشة رضي الله عنها جبلت النفوس على حب من أحسن إليها . وقال عليه السلام [ 1 ] « اللَّهمّ لا تجعل لفاجر عندي يدا فيحبّه قلبي » بيّن صلَّى الله عليه وسلم أن القلب لا يكاد يمتنع من ذلك وروى أن بعض الأمراء أرسل إلى مالك بن دينار بعشرة آلاف درهم ، فأخرجها كلها فأتاه محمد بن واسع ، فقال ما صنعت بما أعطاك هذا المخلوق ؟ قال سل أصحابي . فقالوا أخرجه كله . فقال أنشدك الله ، أقلبك أشد حباله الآن أم قبل أن أرسل إليك ؟ قال لا بل الآن . قال إنما كنت أخاف هذا . وقد صدق . فإنه إذا أحبه أحب بقاءه ، وكره عزله ونكبته وموته وأحب اتساع ولايته وكثرة ماله . وكل ذلك حب لأسباب الظلم ، وهو مذموم . قال سلمان وابن مسعود رضي الله عنهما ، من رضى بأمر ، وإن غاب عنه ، كان كمن شهده .
قال تعالى * ( ولا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ) * « 1 » قيل لا ترضوا بأعمالهم ، فان كنت في القوة بحيث لا تزداد حبا لهم بذلك ، فلا بأس بالأخذ وقد حكى عن بعض عباد البصرة أنه كان يأخذ أموالا ويفرقها ، فقيل له ألا تخاف أن تحبهم ؟ فقال لو أخذ رجل بيدي وأدخلني الجنة ، ثم عصى ربه ، ما أحبه قلبي ، لأن الذي سخره للأخذ بيدي ، هو الذي أبغضه لأجله شكرا له على تسخيره إياه
شرح
[ 1 ] حديث اللهم لا تجعل لفاجر عندي يدا فيحبه قلبي : ابن مردويه في التفسير من رواية كثير بن عطية عن رجل لم يسم ورواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث معاذ وأبو موسى المديني في كتاب تضييع العمر والأيام من طريق أهل البيت مرسلا وأسانيده كلها ضعيفة
هامش
« 1 » هود : 113