أن الداعي له يتقلد منة ، ويرى ذلك شرفا وذخرا لنفسه في الدنيا والآخرة . فهذا يختلف باختلاف الحال . فمن ظن به أنه يستثقل الإطعام ، وإنما يفعل ذلك مباهاة أو تكلفا [ 1 ] ، فليس من السّنّة إجابته . بل الأولى التعلل . ولذلك قال بعض الصوفية : لا تجب إلا دعوة من يرى أنك أكلت رزقك ، وأنه سلم إليك وديعة كانت لك عنده ، ويرى لك الفضل عليه في قبول تلك الوديعة منه . وقال سرى السقطي رحمه الله : آه على لقمة ليس على الله فيها تبعة ، ولا لمخلوق فيها منة . فإذا علم المدعو أنه لا منة في ذلك ، فلا ينبغي أن يرد . وقال أبو تراب النخشبي رحمة الله عليه ، عرض على طعام فامتنعت ، فابتليت بالجوع أربعة عشر يوما ، فعلمت أنه عقوبته . وقيل لمعروف الكرخي رضي الله عنه ، كل من دعاك تمر إليه ؟ فقال أنا ضيف أنزل حيث أنزلوني
الثاني : أنه لا ينبغي أن يمتنع عن الإجابة لبعد المسافة
، كما لا يمتنع لفقر الداعي وعدم جاهه . بل كل مسافة يمكن احتمالها في العادة لا ينبغي أن يمتنع . لأجل ذلك يقال في التوراة أو بعض الكتب : سر ميلا عد مريضا ، سر ميلين شيع جنازة ، سر ثلاثة أميال أجب دعوة ، سر أربعة أميال زر أخا في الله . وانما قدم إجابة الدعوة والزيارة ، لأن فيه قضاء حق الحي ، فهو أولى من الميت . وقال صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] ( لو دعيت إلى كراع بالغميم لأجبت ) وهو موضع على أميال من المدينة ، أفطر فيه رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 3 ] في رمضان لمّا بلغه وقصر عنده في سفره [ 4 ]
شرح
[ 1 ] حديث : ليس من السنة إجابة من يطعم مباهاة أو تكلفا . د . من حديث ابن عباس ، أن النبي صلَّى الله عليه وسلم نهى عن طعام المتباريين . قال . د . من رواه عن جرير لم يذكر فيه ابن عباس .
وللعقيلى في الضعفاء ، نهى النبي صلَّى الله عليه وسلم عن طعام المتباهيين ، والمتباريان المتعارضان بفعلهما للمباهاة والرياء ، قاله أبو موسى المديني
[ 2 ] حديث : لو دعيت إلى كراع بالغميم لأجبت ، ذكر الغميم فيه ليعرف ، والمعروف لو دعيت إلى كراع كما تقدم قبله بثلاثة أحاديث . ويرد هذه الزيادة ما رواه . ت . من حديث أنس ، لو أهدى إلى كراع لقبلت
[ 3 ] حديث : إفطاره صلَّى الله عليه وسلم في رمضان لما بلغ كراع الغميم رواه . م . من حديث جابر في عام الفتح .
[ 4 ] حديث : قصره صلَّى الله عليه وسلم في سفره عند كراع الغميم ، لم أقف له على أصل ، وللطبراني في الصغير ، من حديث ابن عمر ، كان بقصر الصلاة بالعقيق ، يريد إذا بلغه ، وهذا يرد الأول ، لأن بين العقيق وبين المدينة ثلاثة أميال أو أكثر ، وكراع الغميم بين مكة وعسفان والله أعلم .