تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 38

مساهمون:

ص٣٨
وعلى الجملة فما ينحل عن القلب من عقد حب الدنيا بقول واعظ حسن الكلام زكي السيرة أشرف وأنفع من ركعات كثيرة مع اشتمال القلب على حب الدنيا الرابع : المحترف الذي يحتاج إلى الكسب لعياله فليس له أن يضيع العيال ويستغرق الأوقات في العبادات ، بل ورده في وقت الصناعة حضور السوق ، والاشتغال بالكسب ، ولكن ينبغي أن لا ينسى ذكر الله تعالى في صناعته ، بل يواظب على التسبيحات والأذكار وقراءة القرءان ، فان ذلك يمكن أن يجمع إلى العمل ، وانما لا يتيسر مع العمل الصلاة الا أن يكون ناظورا فإنه لا يعجز عن إقامة أوراد الصلاة معه ، ثم مهما فرغ من كفايته ينبغي أن يعود إلى ترتيب الأوراد ، وإن دوام على الكسب وتصدق بما فضل عن حاجته فهو أفضل من سائر الأوراد التي ذكرناها ، لأن العبادات المتعدية فائدتها أنفع من اللازمة ، والصدقة والكسب على هذه النية عبادة له في نفسه تقربه إلى الله تعالى ، ثم يحصل به فائدة للغير وتنجذب إليه بركات دعوات المسلمين ويتضاعف به الأجر الخامس : الوالي مثل الامام والقاضي والمتولي لينظر في أمور المسلمين ، فقيامه بحاجات المسلمين وأغراضهم على وفق الشرع وقصد الإخلاص أفضل من الأوراد المذكورة ، فحقه أن يشتغل بحقوق الناس نهارا ويقتصر على المكتوبة ، ويقيم الأوراد المذكورة بالليل ، كما كان عمر رضي الله عنه يفعله ، إذ قال : مالي وللنوم ، فلو نمت بالنهار ضيعت المسلمين ، ولو نمت بالليل ضيعت نفسي وقد فهمت بما ذكرناه أنه يقدم على العبادات البدنية أمران ، أحدهما العلم ، والآخر الرفق بالمسلمين ، لأن كل واحد من العلم وفعل المعروف عمل في نفسه ، وعبادة تفضل سائر العبادات ، يتعدى فائدته وانتشار جدواه ، فكانا مقدمين عليه السادس : الموحد المستعرق بالواحد الصمد الذي أصبح وهمومه هم واحد ، فلا يجب إلا الله تعالى ولا يخاف إلا منه ، ولا يتوقع الرزق من غيره ، ولا ينظر في شيء إلا ويرى الله تعالى فيه ، فمن ارتفعت رتبته إلى هذه الدرجة لم يفتقر إلى تنويع الأوراد واختلافها بل كان ورده بعد المكتوبات واحدا وهو حضور القلب مع الله تعالى في كل حال ، فلا يخطر بقلوبهم أمر ، ولا يقرع سمعهم قارع ، ولا يلوح لأبصارهم لائح ، إلا كان لهم فيه عبرة وفكر ومزيد ، فلا محرك لهم ولا مسكن إلا الله تعالى ، فهؤلاء جميع أحوالهم تصلح أن تكون