ثم الخروج ، ثم المسير في البادية ، ثم الإحرام من الميقات بالتلبية ، ثم دخول مكة ثم استتمام الأفعال كما سبق . وفي كل واحد من هذه الأمور تذكرة للمتذكر ، وعبرة للمعتبر ، وتنبيه للمريد الصادق ، وتعريف وإشارة للفطن . فلنرمز إلى مفاتحها حتى إذا انفتح بابها وعرفت أسبابها انكشف لكل حاج من أسرارها ما يقتضيه صفاء قلبه وطهارة باطنه وغزارة فهمه
أما الفهم :
فاعلم أنه لا وصول إلى الله سبحانه وتعالى إلا بالتنزه عن الشهوات ، والكف عن اللذات ، والاقتصار على الضرورات فيها ، والتجرد لله سبحانه في جميع الحركات والسكنات ، ولأجل هذا انفرد الرهبانيون في الملل السالفة عن الخلق ، وانحازوا إلى قلل الجبال ، وآثروا التوحش عن الخلق ، لطلب الأنس با لله عز وجل ، فتركوا لله عز وجل اللذات الحاضرة ، وألزموا أنفسهم بالمجاهدات الشاقة طمعا في الآخرة ، وأثنى الله عز وجل عليهم في كتابه فقال * ( ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ ورُهْباناً وأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ) * « 1 » ) فاما اندرس ذلك وأقبل الخلق على اتباع الشهوات ، وهجروا التجرد لعبادة الله عز وجل ، وفتروا عنه ، بعث الله عز وجل نبيه محمدا صلَّى الله عليه وسلم لاحياء طريق الآخرة وتجديد سنة المرسلين في سلوكها [ 1 ] فسأله أهل الملل عن الرهبانية والسياحة في دينه فقال صلَّى الله عليه وسلم « أبدلنا الله بها الجهاد والتّكبير على كلّ شرف » يعنى الحج . « وسئل صلَّى الله عليه وسلَّم [ 2 ] عن السّائحين فقال هم الصّائمون » فأنعم الله عز وجل على هذه الأمة بأن جعل الحج رهبانية لهم . فشرف البيت العتيق بالإضافة إلى نفسه تعالى ، ونصبه مقصدا لعباده ، وجعل ما حواليه حرما لبيته تفخيما لأمره ، وجعل عرفات كالميزاب على فناء حوضه ،
شرح
[ 1 ] حديث سئل عن الرهبانية والسياحة فقال بدلنا الله بها الجهاد والتكبير على كل شرف : أو داود من حديث أبي أمامة أن رجلا قال يا رسول الله ائذن لي في السياحة فقال ان سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله رواه الطبراني بلفظ ان لكل أمة سياحة وسياحة أمتي الجهاد في سبيل الله ولكل أمة رهبانية ورهبانية أمتي الرباط في نحر العدو وللبيهقي في الشعب من حديث أنس رهبانية أمتي الجهاد في سبيل الله وكلاهما ضعيف والترمذي وحسنه والنسائي في اليوم والليلة وابن ماجة من حديث أبي هريرة ان رجلا قال يا رسول الله انى أريد ان أسافر فأوصني قال عليك بتقوى الله والتكبير على كل شرف
[ 2 ] حديث سئل عن السائحين فقال هم الصائمون البيهقي في الشعب من حديث أبي هريرة وقال المحفوظ عن عبيد بن عمير عن عمر مرسلا
هامش
« 1 » المائدة : 82