عملها ، ويمتنعون عن إفشائها إليهم ترجع إلى خمسة أقسام
القسم الأوّل - أن يكون الشيء في نفسه دقيقا
تكلّ أكثر الافهام عن دركه ، فيختص بدركه الخواص ، وعليهم أن لا يفشوه إلى غير أهله ، فيصير ذلك فتنة عليهم حيث تقصر أفهامهم عن الدرك . وإخفاء سر الروح
[ 1 ] و « كفّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلم عن بيانه »
من هذا القسم ، فان حقيقته مما تكل الأفهام عن دركه ، وتقصر الأوهام عن تصوّر كنهه ولا تظنن أن ذلك لم يكن مكشوفا لرسول الله صلَّى الله عليه وسلم ، فان من لم يعرف الروح فكأنه لم يعرف نفسه ، ومن لم يعرف نفسه ، فكيف يعرف ربه سبحانه ؟ ولا يبعد أن يكون ذلك مكشوفا لبعض الأولياء والعلماء ، وإن لم يكونوا أنبياء ، ولكنهم يتأدبون بآداب الشرع فيسكتون عما سكت عنه ، بل في صفات الله عز وجل من الخفايا ما تقصر أفهام الجماهير عن دركه ، ولم يذكر رسول الله صلَّى الله عليه وسلم منها الا الظواهر للأفهام : من العلم ، والقدرة ، وغيرهما ، حتى فهمها الخلق بنوع مناسبة توهموها إلى علمهم وقدرتهم ، إذ كان لهم من الأوصاف ما يسمى علما وقدرة ، فيتوهمون ذلك بنوع مقايسة ، ولو ذكر من صفاته ما ليس للخلق مما يناسبه بعض المناسبة شيء لم يفهموه ، بل لذة الجماع إذا ذكرت للصبي أو العنين لم يفهمها إلا بمناسبة إلى لذة المطعوم الذي يدركه ، ولا يكون ذلك فهما على التحقيق . والمخالفة بين علم الله تعالى وقدرته وعلم الخلق وقدرتهم أكثر من المخالفة بين لذة الجماع والأكل وبالجملة فلا يدرك الإنسان الا نفسه وصفات نفسه مما هي حاضرة له في الحال ، أو مما كانت له من قبل ، ثم بالمقايسة إليه يفهم ذلك لغيره ، ثم قد يصدق بأن بينهما تفاوتا في الشرف والكمال ، فليس في قوة البشر إلا أن يثبت لله تعالى ما هو ثابت لنفسه من الفعل والعلم والقدرة وغيرها من الصفات مع التصديق بان ذلك أكمل وأشرف ، فيكون معظم تحويمه على صفات نفسه لا على ما اختص الرب تعالى به من الجلال ، ولذلك
قال صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] « لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك »
وليس المعنى أني أعجز عن التعبير عما أدركته ، بل هو اعتراف بالقصور
شرح
[ 1 ] حديث كف رسول الله صلَّى الله عليه وسلم عن بيان الروح
الشيخان من حديث ابن مسعود حين سأله اليهود عن الروح قال ) * فأمسك النبي صلَّى الله عليه وسلم فلم يرد عليهم شيئا
- الحديث :
[ 2 ] حديث
لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك مسلم من حديث عائشة انها سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلم يقول ذلك في سجوده